Tuesday, July 3, 2012

أم سعد


 لم أقع في حب وغرام أم سعد , ربما يعود هذا إلى أنني شخص ذو عواطف باردة كما يحلو للبعض أن يسميني , اعتدت على رؤية أم سعد بأشكال وأوضاع مختلفة, كانت أم سعد هي ما يشجعهم على المضي قدما كأنها عقدت معهم اتفاقا ضمنيا صامتا على أن يستمروا في مقاومتهم للعدو وأن  تستمر هي بإطلاق الزغاريد" كلما أهداها أحدهم سيارة أو عقد" . لا أدري ما الفرق بين الاعتياد على رؤية أحدهم يوميا وبين أن أحب أحدهم لدرجة أنني أشعر بالحزن لغيابهم عن جدول يومياتي الملل إلى حد ما. لا أزال أسأل نفسي, هل أنا معتادة على وجود أم سعد في حياتي, أم أنني قد وقعت فعلا في غرام تلك المرأة ؟
  ذات صباح خريفي ملبد بالغيوم ورائحة الموت أحدهم قرر فجأة وضَع حد للانتفاضة الفلسطينية الثانية مما أثر سلبيا على علاقتي بأم سعد  التي أصبحت أراها فقط في مخيلتي, فهي لم تعد موجودة لسبب لا أدري كيف أفسره, وجدت أم سعد إن صح القول منذ زمن يبدو لي في هذه الأيام سحيق البعد وإن كان هذا الزمن يرافقني في جميع تفاصيل حياتي اليومية.
إن سألني أحدهم عن أم سعد, فإني لن أجد جوابا لسؤاله , فأنا لا أدري  أين هي الآن, وما الذي حصل لولديها سعد وسعيد؟ وإن كان زوجها لا يزال حيا أم أنه التحق بولديه ؟   كذلك لا أدري ما السبب الرئيسي وراء استعارتي "أم سعد"  من غسان كنفاني, ربما هو وعي الماضي القادم إلى الحاضر من أجل أن يخبرنا شيئا لا نكاد نفقهه. في ذاك الوعي القادم إلى الحاضر نجد  وعي المنفى الذي يتجاوز  المنفى , اللغة البسيطة المباشرة, الإيقاع الهادئ, التحولات التي تندفع كأنها في تواليها تعلن أن الماضي المختزن في الذاكرة , قد كشف عن نفسه فجأة , هكذا تختلط المستويات وتبرعم الدالية التي كانت يوما ما " خشبة بنية داكنة لا تنفع شيئا.... قضيب ناشف.... ولكنه دالية ....تنظر إلى رأس أخضر كان يشق التراب بعنفوان له صوت." بالرغم من بساطة اللغة وسمو الرمزية في ثنايا يدي وجروح أم سعد إلا أنني أشعر بالأسى أحيانا لأن احدهم لا يزال يرفض ما يفعله سعد خارج أسوار المخيم وسعيد داخل المخيم الذي لا يزال يحول شيطان الفقر إلى ملائكة أحيانا.
إن  أكثر ما يدعوني لتقدير وتبجيل أم سعد هو راحتيها وتلك الرائحة التي أصبحنا نفقدها في بلادي منذ زمن ليس ببعيد. جلَ ما أتمناه هو عودة أم سعد مع ولديها سعد وسعيد الآن وقبل غروب الشمس. يستحضرني دوما وصفه لراحتيها وتلك الرائحة التي نشتاق إليها كثيرا..... يقول: " عادت أم سعد, ففرشت راحتيها أمامي, كانت الجروح تمتد فوق خشونتهما أنهرا حمراء جافة, تفوح منها رائحة فريدة, رائحة المقاومة الباسلة حين تكون جزءا من جسد الإنسان ودمائه."

ملاحظة : " عادت أم سعد لتكون جزءاً من يومياتي منذ 21 شباط 2012، منذ ذلك اليوم وهي لا تكاد تفارقني، تطاردني في أحلامي، ترافقني حتى أثناء تناول قهوتي، وتحرمني من النوم أحياناً بفضل الأسئلة التي تزرعها في داخلي ولا أجد لها جواباً ... منذ ذلك اليوم وأنا في حيرة من أمري ..لماذا عادت أم سعد بدون ولديها ؟ هل هما في الطريق إلى هنا، أم أنهما في سجن ما، هل استشهدا في طريق العودة؟ "