Thursday, May 2, 2013

السرد الأخر ل "مين الزلمة فيكم؟ حكاية شهداء سجن النقب وحوض النعنع"



كالعادة وفي الوطن الذي لا ندري أي صدفة جعلتنا نعيش فيه عقود عمرنا القليلة شاءت الصدفة أن اقرأ إحدى حكايا سجن النقب بطريقتين سرديتين مختلفتين، ولا أدري لماذا لم أشعر بجمال السرد الثاني كالأول، وعليه فإننيأعيد نشر ما كتبه العزيز صالح برقاوي عن بعض ذكريات سجن النقب وحوض النعنع والشهداء والغاز المسيل للدموع والسحل، لأنني وحسب رأيي الشخصي أعجبت بالسرد في نسخته الأولى قبل أن يطالها مقص التحرير، وليس هدفي الانتقاص من قيمة التحرير في العمل الصحفي، وغيره ... لكن لأننا وجدنا أنفسنا وبمحض الصدفة والظروف التي نعيشها نكتب عن أحداث تستحق أن تروى للأجيال التي سوف تعيش في فلسطين الحرة، أو تلك التي سوف تعمل على تنظيم العمل الفدائي من جديد في وطننا الغريب الملامح... تجربتنا الكتابية لم تأت من أي خلفية صحفية تسير حسب المعايير الدولية للكتابة والسرد. تجربتنا الكتابية هي باختصار جاءت نتيجة لما أحب أن أدعوه ب كيماء القلب والعقل في نقل تجارب البشر بأدق وأصدق تفصيلاتها ودون المساس بروحها التي لا ندري كهنها.


في نهاية أسبوع النقب الإعلامي كان لا بد أن نتحدث عن تجمع فلسطيني يقبع في صحراء النقب غير معترف به، محاط بالجند والأسلاك الشائكة، لا يمكن دخوله إلا بقفص من حديد، ساكنيه يتغيرون حسب رياح الصحراء وحسن النوايا والتبادلات بلغ عدد من سكنوه ثلاثمائة ألف أو يزيد واليوم ثلاثة آلاف، انه سجن النقب "كتسعوت" كما اسماه السجان أو أنصار 3 كما سماه المعتقلين تيمنا بأنصار 1وأنصار 2، في أنصار نسجنا آلاف الحكايا سنذكر اثنتين أو يزيد، في أنصار أشخاص مصرين على العطاء مهما حاصرتهم القيود وأحلام الغائبين، في أنصار نستذكر محمد الأشقر و أسعد الشوا وبسام السمودي وعبد الله علاونه وكل الشهداء الذين عمدوا الرمل بالدماء فكانت انجازات الحركة الأسيرة التي لم تتوانى بتقديم الشهيد تلو الشهيد لضمان حياه كريمه يحياها كافه الأسرى والمعتقلين، لهم نكتب ولهم منا الوفاء.

"ثوروا فلن تخسروا سوى القيد والخيمة"

السادس عشر من آب عام 88 لم يكن يوما عاديا في حياه المعتقلين الذين كانوا قد اتخذوا قرارا داخليا تم تعميمه على كافه الأقسام في "أنهم لن يسمحوا بأي إهانة لأي أسير من الآن فصاعدا وان الموقف لا يحتمل إلا أن نقف صفا واحدا تجاه هذه الإهانات المقصودة مهما كانت النتائج" ,وعند الظهيرة سمع المعتقلون صراخا ,تجمهروا على الشبك وإذ بالجنود يسحلون معتقلا على الأرض الخشنة مكبل اليدين والقدمين الى الزنزانة ، داميا من شده الضرب ، موقنا بالنصرة من إخوته فصاح الله اكبر وما هي إلا ثانيه أو أقل حتى كانت الله أكبر تخرج من أفواه سبعه آلاف من المعتقلين الذين بدأوا لتوهم باستنفار سيكون الأطول في تاريخ الحركة الأسيرة ، لم يتركوا شيئا في الخيم إلا ورموه على الجنود من طناجر وصابون ، أحذية وحجارة والذين بدورهم بدؤا بإطلاق النار والغاز بصوره عشوائية، حتى وصلت بهم الى تطويق السجن بالدبابات، وإدخال ناقلات الجند بين الأقسام ، وما أن هدأت الأقسام بعد الظهيرة وتم النداء للمعتقلين للجلوس على الأرض حتى يدخل العدد إذ يفاجأ المعتقلين بقائد المعسكر العقيد "تسيمح" يصيح ويعربد في قسم "ب " فوقف أمام المعتقلين وقال "الزلمة فيكم يوقف "ساد الصمت لبرهة صفوف المعتقلين نظروا الى بعضهم البعض فوقف أسعد الشوا منتصبا متحديا له نظر إليه تسيمح وتناول بندقيته من جندي مجاور له وأطلق عليه رصاصتين في الصدر فأستشهد على الفور فتقدم بسام السمودي وسط صيحات الله اكبر وأقترب من الشيك بشكل كبير محاولا أصابه تسيمح بحجر فأطلق عليه النار فأستشهد وعندها هرب تسيمح وبدأ الجنود المتمركزين على الأبراج بإطلاق الرصاص على المعتقلين الذين حاولوا الوصول الى الشبك فأصيب منهم عدد كبير استنفرت كافه الأقسام مره أخرى وتم تكسير سيارة ضابط في قسم "ألف"وبعد ساعات من الرصاص الحي والمطاطي والغاز هدأت ثوره المعتقلين وتم إجلاسهم على الأرض وأمر الضباط المعتقلين أن يحملوا الجرحى ويضعوهم أمام بوابات الأقسام لنقلهم الى المستشفى، ففعل المعتقلون، ودخل الجنود الأقسام وصادروا كل شيء في الأقسام وتم شبحهم في العراء لأكثر من أربع ساعات من غير ماء ولا أو أكل وبعد أقل من نصف ساعة شاهد المعتقلين طائره هيلوكبتر تهبط في معسكر الجيش مما أكد لجميع المعتقلين أن هنالك شهداء لم يمضي وقت طويل حتى بلغت الإدارة الأخ منير العبوشي ممثل المعتقل آنذاك أن الشهداء هم اسعد الشوا وبسام السمودي وأنه تم تشكيل لجنه لتقصي الحقائق التي قررت فيما بعد أن الشهداء شكلوا خطورة أمنيه.
أعلن المعتقلون الإضراب عن الطعام، حدادا واحتجاجا وليستمر المعتقلون تسعة أيام دون طعام، حتى استجابت أدارة السجن الى بعض مطالبهم، وتم تغير المعاملة فتم السماح للمحامين بالزيارة ومنعت الإهانات وحسنت نوعيه الأكل بحصول السجناء على مطبخ خاص بهم يوزع الأكل على كل الأقسام يطبخون به ويشرفون عليه، وأجبرت الإدارة بالاعتراف بممثلين المعتقلين والتعامل معهم والأهم من ذلك كله بأنهم حصلوا على المياه الساخنة واستبدلوا "برش" البلاستيك بألواح خشبية تسمى مشتاح مع إدخال القهوة كوجبة أسبوعية للمعتقلين .
حكايا الإستنفارات لا تنتهي في سجن النقب فالمباح قليل والممنوع لا يحصى وبينهما يكمن الأستنفار، صوت الأذان،  أهانه، نقل تعسفي، رده فعل على أستشهاد عزيز، تفتيش كلها أسباب تحرك أسطوانه الغاز والله أكبر .

"أخيراً رأينا الصليب الأحمر "

في أواخر العام 1988, سمحت إدارة سجن النقب للصليب الأحمر بالزيارة فدخلت امرأة سويسريه وشاب فرنسي، كوفد من الصليب ليسمعوا مطالب المعتقلين، فاجتمعوا مع ممثليهم في أحدى خيام القسم "1"، وحاولوا أن يشرحوا لهم كل شيء وقدموا مطالبهم المشروعة بتحسين شروط الإعتقال وحقهم في زيارة الأهل والمحامون وانتهوا بالمطالبة في حقهم في توفير الصحف اليومية والكتب و القرطاسية يقول المتوكل طه "ما أن انتهت الزيارة حتى تركت الفتاة دفترها الصغير ونسي الشاب قلمه عمدا لعلهم استشعروا المحيط المرعب الذي يلفنا فتعاطفوا معنا"، بعد أقل من شهر من تلك الزيارة تفاجأ المعتقلين بسيارة كبيره محمله بالكتب والورق الأبيض والأقلام والمساطر مع وفد من الصليب الأحمر، وبدؤوا بتوزيعها على الأقسام التي رقصت فرحا على هذه الحمولة التي لم يحلموا بها !وأخبروهم :بإمكانكم كتابه الرسائل الشهرية الى ذويكم لكن قبل أن تصل الى البريد ستراقب إدارة السجن كافه هذه الرسائل وستمنع أي رسالة يرون أن محتواها خطير على الأمن ! ، فيقول المتوكل "عندها استطاع المعتقلين أن يقرؤوا روايات غسان كفاني وإميل حبيبي وعبد الرحمن منيف وسميرة عزام وحنا مينا وأشعار محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وكمال ناصر .. وأن يحفظوا منها الكثير، وأن يناقشوا لاحقا، في الجلسات الثقافية مضامينها وصورها وأشكالها الفنية" أما عن الجرائد والصحف فبعد يومين بدأت إدارة المعتقل بتوزيع صحيفة على كل معتقل لكنها مكونه من أخبار مقصوصة من عده صحف عبريه وعربيه وإنجليزية تم مونتاجها على أربع صفحات، وتصوريها وتوزيعها على المعتقلين، طبعا الصحيفة تتحدث بلسان الإحتلال فهجرها المعتقلين واستخدموها في الأعمال اليدوية ولما تم السؤال عن جدوى توزيعها قال الضابط :ألا يقرأها واحد من كل ألف ؟ فقال الشاويش ممكن ! فقال له: أذا استطعنا كل يوم أن نؤثر في سبعة معتقلين وهذا يكفينا.
 لم يختلف اليوم عن الأمس في النقب لكنهم سمحوا بجريده القدس مرة واحدة كل عدة أشهر .

"حوض النعناع "

اضطهاد وقمع السجان الإسرائيلي لم يقتصر فقط على إطلاق الرصاص والغاز وضرب السجناء، وإنما امتد ليشمل كل شيء جميل في حياة المعتقلين حتى لو كان حوض من النعنع، يقول الأخ أبو رشدي الزغل في معرض شهادته لنا عن سجن النقب لم يتخيل المعتقلين يوما أن نبات النعنع قد يعرض إدارة سجن النقب للخطر ..كنا نحن الأسرى الإداريين قد زرعنا شتلة نعنع كان ملك النار أبا سلوى قد احضرها لنا من خارج المعسكر،  كونه كان يحضر لنا تهريبا كل ما تيسر من الأمور والمواد التي قد تخلق أو تصنع مقوم من مقومات الحياة المعدومة في هذا السجن الصحراوي، حين زرعنا شتلة النعنع على مدخل خيمتنا لترسم لونا اخضرا يغير كل الصفار الذي يلفنا فشارك كل أفراد الخيمة المقيمين فيها بترتيب حوض النعنع وجمع الرمل وتصفيف الحجارة حوله، هذا العمل البسيط فيه متعة لا توصف ..كان في نظرنا انجازا عظيما ..أن نزرع النعنع الأخضر لنغير مذاق أكلنا وشربنا ونكهة حياتنا ..هذا الأمر الذي لم يرق لضابط الاحتياط الإسرائيلي الذي صعق من رؤية حوض نعنع اخضر أثناء العدد، فتوجه نحو حوض النعنع وسال ممثل المعتقل :شو هذا ؟ تبسم وأجاب: أعتقد انه نبات النعنع وليس سلاحا ..نظر إليه الضابط نظرة استهزاء وقال: "أنا شايف بس هذا ممنوع وبدكم تشيلوه "..فكان الرد : "ما بشيل شي جميل زرعناه وبهددش أمنكم "..فانذره قائلا" شيلوه بأيديكم بدي أجي العدد الجاي أشوفه مش هون" ..فكان الرد :"بدك تشيله شيله بأيديك "جاء الصباح وجاء العدد وكان السجال مجددا :"ليش ما شلته؟ ..أنا بفرجيك ".أستمر الحال لعدة أيام دون أن نلقي اهتماما بهذا الضابط الذي اكتشفنا لاحقا انه أستاذ جامعي في جامعة بار ايلان ويدرِس الكيمياء ..الأمر الذي يعطي الانطباع الحقيقي لعقلية ونفسية تعبر عن ذاتها بممارسات بغيضة على الأرض بصرف النظر عن أسماء وألوان ومستويات جنودهم وضباطهم، عوقبنا لكن بقي حوض النعنع ..في النهاية لم يكن بد لدى الضابط في التعبير عن عدم كسر قراره ورفضه إلا بدوس النعناع ببسطاره العسكري وبعثرة الرمل والحجارة أمام أعيننا لكن حوض النعنع عاد من جديد بأيدينا التي أعادت له الحياة بعد أن قتله الاحتلال، لقد أخرج سجن النقب أجمل ما في المعتقلين وأسوأ ما في الاحتلال هذا فيقول المتوكل هنا "أن ذهابنا بالجمال الى أقصاه، هو الذي خلق لدينا قوة إضافية ولا أعني هنا جمال المكان، بقدر ما أعني عيوننا الجديدة ورؤيتنا العميقة المختلفة، التي رأت المكان وسبرت غوره، وأحاطت به وأدركته، واجترحت الأشكال والآليات المناسبة، للتعاطي معه، بحيث ظل المكان تحت سيطرتنا ما أمكننا ذلك، هذا الجمال الداخلي الذي تجاوز كل نقاط الضعف في المعتقلين أو الثغرات في التربية الجمعية".

"ما بعد النقب"

لا وجه للصحراء ولا فؤاد، ولكن لها ذاكره اختزنت صرخات آلاف المعتقلين وآهاتهم وأحلامهم، والصحراء أيضا هي ذاكره المناضلين ومنارة الجماهير وأكثر توحش هو محاوله قتل تلك الذاكرة وهدم تلك المنارة، إن الحركة الأسيرة هي حركة لها ثوابتها ومتغيراتها ومبادئها التي انتحت نظرية ملحمية رسخت معنى الأسر والحرية فتغلغلت في وجدان الشعب وعقليه الأسير نفسه فمع احتضان الجماهير ونبذ السياسيين تكون الفجوة، فما بعد الأسر ليس كما قبل الأسر، فالفعل المقاوم اليومي الذي عاشه أي أسير هو يفوق آلاف المرات أي جهد سياسي حالي على الأرض، فالقتل هنا يتجاوز المادي الى المعنوي ، فنحن نتحدث عن النضال في السجون ولا يخفى علينا لسان حال من خرج منهم حيث يقول الأستاذ خالد عوده الله محدثا عن سرحان "وبعد الكثير من الصخب والركض الموضعي، وصل سرحان الى الحقيقة المرة : النضال في السجن ومن السجن أسهل بكثير من النضال خارجه ، وحدث ذاته بضرورة إعادة تعريف السجن والحرية "
فارقني أخي أبو رشدي الزغل بعد حديثنا عن تجربته، ولم يتركني حتى أجاب لوحده عن سؤالي لذاتي لماذا سأكتب عن تجربه سجن النقب فقال لي: "أخخ والله أيام حلوه... أحنا لقينا حالنا في السجن "ومن ثم استشهد  بكلام عبد الرحمن منيف قائلا:"اذا كتبنا عن معاناتنا، عن ذلك الوكر الأسود المشؤوم، فلا لكي نظهر بطولاتنا، وإنما لكي نساعد الآخرين، ونجنبهم ما عانيناه، فنحن على وشك أن نمضي، وهم سيبقون بعدنا، وهذا ما يدعونا لأن ننبه، لأن نحذر قبل فوات الأوان، وأن تعرف أن الحياة دون حرية، دون كرامة، لا تستحق أن تعاش"



اعتمدت المادة على كتاب المتوكل طه" سيره كتسعوت" وشهادة الأخ أبو رشدي الزغل 

نشر التقرير للمرة الأولى في شبكة قدس على الرابط التالي، لكن بسرد مختلف http://www.qudsn.ps/article/11758