Sunday, November 28, 2010

صراع بين ذاكرتين

لا ادري بالتحديد من هو ذاك الشخص العبقري الذي اخترع فكرة وجود الضفة الغربية وقطاع غزة. لفترة ليست بقليلة كان حالي حال أبناء جيلي, مقتنعة تمام القناعة بأن المنطقة الجغرافية التي أعيش فيها هي الجزء الغربي المحاذي لنهر الأردن لتصبح فيما بعد " الضفة الغربية"
 كانت قراءتي الأولى لرواية الإنسان " مريد البرغوثي"  ولدت هنا, ولدت هناك بمثابة قطرة غيث أنقذتني من براثن الضياع بين المصطلحات السياسية التي أودت بنا إلى الجحيم أو سموه كما شئتم.

حينما قرأت المقطع التالي لم أشعر بالخجل من نفسي فقط وإنما الضياع والغربة في وطني

" فأي تفكير جهنمي أدى إلى أن يسمى " شرق فلسطين" " الضفة الغربية" ؟

" تفتح خارطة فلسطين التاريخية فتجدها تقع بين البحر الأبيض المتوسط غربا ونهر الأردن شرقا. احتلت العصابات الصهيونية فلسطين الغربية الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط فلجأ بعض سكانه إلى فلسطين الشرقية الممتدة حتى نهر الأردن. ولأن المطلوب محو اسم فلسطين من الخريطة ومن التاريخ ومن الذاكرة, نسبت هذه المنطقة إلى نهر الأردن فسميت باللغة العربية وبكل لغات العالم " الضفة الغربية" وهكذا اختفى اسم فلسطين نهائيا من كل خرائط الدنيا.
فإذا كان غرب البلاد أصبح اسمه " إسرائيل" وشرقها أصبح اسمه " الضفة الغربية" فأين تقع فلسطين ؟
هكذا, لكي تضيع فلسطين أرضا كان يجب أن تضيع لغة أيضا.
وأنا كلما سمعت كلمة " الضفة الغربية أفكر بخطورة التلوث اللغوي المقصود الذي أدى بالفعل إلى اغتيال اسم " فلسطين". رواية ولدت هنا ,ولدت هناك  - الفصل السابع – ساراماغو

كلما قرأت هذه الكلمات ازداد خجلي من نفسي ومن جيل الببغاوات الذي انتمي إليه, ربما أنا لا انتمي إليه ألان,  لأنني ضقت ذرعا بترديد ترديد شعارات وكلمات كالببغاوات من دون أدنى فهم لما تحتويه هذه الكلمات والشعارات من مصائب وأهوال.
في الواقع أود تقديم الاعتذار من الببغاوات وذلك عما بدر من سرقة غير مبررة لحقوقهم في ترديد ما يسمعونه من غير وعي ولا إدراك. أعتذر نيابة عن أبناء جيلي عما بدر منا من إساءة إليكم وذلك عبر ترديدنا الدائم لشعارات سياسية لا ندرك معناها ولا خطورتها.نحن لم نسئ لأنفسنا ووطنا فقط بل وللببغاوات أيضا, يا لها من مهزلة تقشعر لها العقول وليس الأبدان فقط.  

لا أدري ما الذي تحمله لنا الأيام القادمة من أهوال ومصائب, فحين ولدت وجدت نفسي أعيش فيما يسمى منطقة "يهودا والسامرة " وبعدها بسنوات استيقظت لأجد نفسي أعيش فيما يسمى الضفة الغربية , ولم أدرك أنني أعيش في شرق فلسطين إلا حديثا وبالصدفة المحضة. أي زمان هذا الذي يجعلني اكتشف مكان سكني الحقيقي بالصدفة المحضة ؟
كل ما أتمناه هو العيش في " فلسطين " بعيدا عن المسميات السياسية التي جعلت من قطاع غزة وكأنه على المريخ ونحتاج لمعجزة إلهية للوصول إليه. أليس هذا هو الظلم بعينه يا بني البشر؟