Tuesday, September 11, 2012

الوجه الأخر لمظاهرات الخليل


منذ توقيع اتفاقية أوسلو والتي تصادف ذكراها 19 يوم الخمس المقبل والوضع فيما تبقى من أرض فلسطين يزداد سوءا، المستوطنات تكبر يوماً بعد أخر والتهجير لا يزال مستمراُ على قدم وساق، والأسرى الفلسطينيون يعيشون وكأنهم على كوكب أخر. ولكن وبالرغم من كل ما حدث ويحدث منذ توقيع تلك الاتفاقية والسلطة الفلسطينية لا زالت تحلم بالسلام وحل الدولتين وبالقدس الشرقية عاصمة لفردوس مفقود.
السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها وهي تحلق بركب الديمقراطية الأمريكية المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط، فترى السلطة يوماً مع ذاك ويوماً مع هذا حسب ما تمليه سياسات الإدارة الأمريكية في المنطقة والتي توفر حماية لا بأس بها للحامي الأول لأمن اسرائيل. باختصار السلطة الفلسطينية لا تعدو كونها وكيلاً للاحتلال الصهيوني تعمل على حماية أمنه ومطاردة كل من يرغب بالكفاح المسلح وتسليمه إلى الطرف الأخر في الصراع. لكن منذ انطلاق ما يسمى بالربيع العربي في الدول العربية المجاورة بدأت السلطة تنهج نهجاً جديدا- قديماً يسمى بالاستحمار وذلك حفاظاً على نفسها من الانهيار والسقوط في ظل إخفاقاتها المتعددة على المستوى الشعبي وانعدام الثقة بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.  
إن المتتبع لتاريخ السلطة في التعامل مع الوضع الداخلي الفلسطيني يدرك جيداً بأن السلطة لم ولن تسمح بأي فعل يؤدي إلى الاشتباك المباشر مع الاحتلال، وخير دليل على ذلك حملات الاعتقالات التي طالت جميع أعضاء الفصائل الفلسطينية التي لا زالت تؤمن بالكفاح المسلح حلاً لتحرير الوطن، وبالطبع لا يخفى على أحد التنسيق الأمني بين الطرفين لضمان عدم إطلاق رصاصة واحدة ضد "اسرائيل ". وحتى لا يقال بأن السلطة هي نظام ديكتاتوري أو فاشي فإنها استغلت عواطف الشعب المتأججة نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي وحماسهم لعيش تجربة الدول المجاورة في الثورات وسمحت بالاعتصام والتظاهرات السلمية ضد موجة الغلاء الأخيرة وضد رئيس الحكومة الذي يحظى بتأييد من الإدارة الأمريكية.
الاحتجاجات في الشارع لفلسطيني ضد الحكومة ورئيسها لو امتدت لشهر واحد مع أهداف واضحة لكانت كافية لإسقاط السلطة وتوجيه البوصلة نحو الاحتلال.لكن ربما لم يحن الوقت بعد.
إن السيناريو الذي حصل البارحة في الخليل ما هو إلا دليل على نية أحدهم امتصاص غضب الشارع من خلال اتاحة الفرصة لتجسيد مشاهد " ربما ثورية " من الدول المجاورة ... عندما بدأ الشباب بالهتاف ضد أبو مازن ورحيل السلطة انطلقت مجموعة لا تتعدى 20 شخص إلى مبنى البلدية لتقوم بتكسير واجهته وتنطلق فيما بعد الكتيبة الخاصة الأولى من الشرطة معززة قنابل الغاز المسيل للدموع ودروع الأمن الوقائي البشرية لحماية بلدية الخليل. حاولت الشرطة فض الاعتصام الأول الذي شارك به حوالي 5000 شخص لكن لم تنجح وكانت النتيجة بأن العدد تضاعف ليصبح 10000 شخص بحلول الساعة الرابعة هاتفين برحيل السلطة والرئيس لتنطلق مجموعة أخرى وتقوم بتكسير مقر شرطة الحرس وإعادة سيناريو قنابل الغاز المسيلة للدموع وتمتد الاشتباكات حتى ساعات متأخرة من الليل لينتج عنها 150 مصاباً. لا ندري بعد من الذي افتعل كل تلك الأحداث ومن المسبب الأول والأخير لها، وإني لأشهد له بالذكاء فهو المدرك جيداً لقوة وتأثير الشارع في الخليل والذي إن غضب ترك منطقة عين سارة وتوجه لمنطقة باب الزاوية التي شهدت البارحة توتراً كبيراً صاحبه تعتيم إعلامي كبير ومقصود.
الخليل البارحة كانت بأشد الحاجة لمن يوجه بوصلتها نحو الطريق الصحيح وليس لمن يحصرها في منطقة عين سارة وابن رشد.  
أخيراً، حتى تكتمل الصورة يجب أن نتذكر أن الأسرى القدامى سوف يخوضون إضراباً مفتوحاً عن الطعام حتى الحرية أو الشهادة وهو ما ينذر باحتمال انطلاق انتفاضة ثالثة ليست ضمن حسابات ولا مصلحة عباس وزمرته، وهو ما دفعه لتقديم كافة التسهيلات للمظاهرات والشاحنات الجرافات للتظاهر ضد رئيس حكومته وربما ضده شخصياً مما يضمن له عدم التمكن من حشد الدعم الشعبي من أجل دعم إضراب لا يصب في مصلحته ولا مصلحته حليفه الإسرائيلي.    السلطة تسقط شرعيتها حينما نبدأ بإحراجها مع "إسرائيل " وتوجيه البوصلة نحو اسرائيل وليس نحو رئيس حكومة أو رئيس سلطة زائل مع انطلاق أول شرارة للانتفاضة. ودمتم سالمين