Saturday, August 25, 2012

سأخون وطني

بعد تفكير عميق وربما صبياني نوعاً ما، وبعد معارك ليست بالضارية ولا بالجادة وعلى طريقة محمد الماغوط قررت أن أخون وطني في زمان تتم فيه أفعال الخيانة علناً وليس سراً كما حدث في زمن الماغوط.
" الأوطان نوعان .. أوطان مزورة وأوطان حقيقية. الأوطان المزورة أوطان الطغاة، والأوطان الحقيقية أوطان الناس الأحرار.وأوطان الطغاة لا تمنح الناس سوى القهر والذل والفاقة. ومدنها وقراها لها صفات القبور والسجون، ولذا فإن الولاء لأوطان الطغاة خيانة للإنسان، بينما عصيانها والتمرد عليها إخلاص للإنسان وحقه في حياة آمنة يسودها الفرح وتخلو من الظلم والهوان، لا سيما أن الولادة في أي وطن هي أوهى جذر يربط الإنسان بوطنه، ولن يقوى ذلك الجذر وينمو ويكبر إلا بما يعطيه الوطن من حرية وعدل." من مقدمة كتاب سأخون وطني. زكريا تامر، لندن، 1987.

لا أدري أي وطن أخون وأي نفس تلك التي قد أضحي بها من أجل ذاك الوطن والذي أضحى لا يشبه شيئاً سوى الفردوس المفقود. . ربما تعريف الوطن في مخيلتي يختلف عن  تعريف أولئك القابعين في السجون وأولئك اللذين يقضون أيامهم بين خيم التضامن والاعتصام والمظاهرات والاحتجاجات عند معتقل عوفر، وأخيراً إما في معتقلات الاحتلال الصهيوني أو معتقلات الوجه الأخر للاحتلال والمتمثل في سجون مخابرات السلطة الفلسطينية.  وبوجود هذا  الاختلاف في تعريف الوطن نصل إلى الحد الفاصل وربما المتطرف الذي يجعل من لم يقض أيامه في خيم التضامن، أو على أبواب معتقل عوفر مزاوداً مجعجعاً " من الفعل جعجع "  ذو حديث لا يسمن ولا يغني من جوع.

في الإضراب الأخير الذي خاضه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني تبين لنا الكثير من الوسائل التي يمكن استعمالها للاحتجاج على ما يتعرض له الأسرى والتضامن معهم، وتبين لنا أيضاً كيف يمكن امتصاص غضب الشارع بوسائل لا حصر لها. من أبرز ما ميَز حملة التضامن الشعبية خيم التضامن والاعتصام التي انتشرت في كافة أرجاء الفردوس المفقود والتي سرعان ما اختفت حين تم إعلان الاتفاق بين قيادة الإضراب وإدارة السجون الصهيونية بواسطة مصرية. في البداية اعتقدنا بأن الرحيل من الشارع مبكراً هو بمثابة النزول من الجبل قبل الأوان... ومع مرور الأيام وجدنا أن معظم النشطاء في خيم التضامن قد أصبحوا إما في سجون المخابرات الفلسطينية أو أنه تم تسليمهم إلى قوات الاحتلال الصهيوني وهو ما يفسر اختفاء خيم التضامن وكافة أشكال التضامن. أنا من  الأشخاص اللذين بدؤوا بالقول لماذا هذا النزول المبكر عن الجبل وأنا التي لم تمض سوى أسبوع في تلك الخيام، ولم تذهب يوماً إلى معتقل عوفر، ومن الأشخاص اللذين تساءلوا لماذا لا نعيد فتح خيم التضامن وقد تجاوز بعض الأسرى حاجز الثلاثة أشهر في إضرابهم عن الطعام. في النهاية خلص أحدهم إلى نتيجة مفادها أنني من " جماعة المزاودين " وأنه لا داعي لفتح خيم التضامن التي سوف تصبح مليئة برجال المخابرات الفلسطينيين وربما الصهيونيين.
إن الخوف المتأصل في قلوبنا من قوة جهاز المخابرات الفلسطيني وتعاونه الوثيق مع نظيره الصهيوني قد منعنا من العودة والمجازفة مرة أخرى في موضوع إعادة فتح خيم التضامن، وإن لم يكن الخوف هو الذي يمنعنا فربما هناك شيء أخر وأكثر خطورة لم أستطع إدراكه بعد فالحياة في الفردوس المفقود أصبحت معقدة وفهمها يحتاج لقدرات عقلية ونفسية خارقة.
وأخيراً، حتى نختم مقال المزاودة الجديد بقي طرح عدة أسئلة  ... هل لأن الأسرى القابعين الآن في السجون الصهيونية والمضربين عن الطعام يحسبون على حركة حماس لم تقم الدنيا أو تقعد.. وبالطبع قبل لوم حركة حماس أو ناشطي القضية الفلسطينية ألوم نفسي كوني أحد أطراف الجعجعة في البلد. ربما خوفنا في الضفة هو الذي منعنا من التضامن أو حتى التفكير في الموضوع، لكن ما الذي يمنع الناس في قطاع غزة من التفكير في الموضوع ولو سراً.  من الواضح والجلي بأن الحكومة في رام الله لو أردت أن تفتح خيم التضامن مع الأسرى الأربعة المضربين عن الطعام لفعلت، ولكن لكي تستمر حملات المناكفة مع نظريتها حماس فإنه لا يوجد أي بارقة أمل لفتح خيمة تضامن من أجل أسير محسوب على حركة حماس.
 أما السؤال الأخر فهو لو كان حسام خضر أو أحمد سعدات قد تجاوزا حاجز الثلاث أشهر في الإضراب عن الطعام هل سنبقى مختبئين تحت غطاء الخوف من المخابرات وحملات المطاردة والاعتقالات المستمرة بقيادة كل من أجهزة السلطة الفلسطينية ونظيرتها الصهيونية. قد يقول قائل إن معظم أبناء الجبهة الشعبية هم مطاردين أو معتقلين وهم أكثر الشباب نشاطاً وانتفاضاً من أجل الوطن، وبالطبع لا ننكر ما يتعرضون له من حملة شرسة لا تقل ضراوة عن حملات قوات الاحتلال الصهيوني ... ولكن هل يتذكر هذا القائل بأن التجارب علمتنا أنه دائماً بدل سعد يوجد عشرة أبناء كلهم فداء للوطن، أم أن هناك شيء أخر لا نعلمه نحن معشر المزاودين... لن ألوم أبناء فتح أيضاً واللذين أصبحوا هدفاً لأجهزة السلطة الفلسطينية فهم إما مطاردين أو معتقلين...  وعليه إلى أن نجد أجوبة شافية لتلك الأسئلة فإننا نخلص إلى نتيجة مفادها أن القمع القائم في الضفة الغربية ليس ضد أعضاء حركة حماس وحدها وإنما أيضاً ضد كل من أبناء الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وأبناء حركة الفتح اللذين لم ولن يكونوا يوماً ضمن بوتقة سلطة أوسلو. وربما يفسر هذا الحال جزء مما يدور حولنا واستمرارية دخولنا في دوائر مفرغة تمنعنا من رؤية الصورة كاملة، وتمنعنا من إعادة تنظيم صفوفنا بطريقة تعطينا القدرة على إيجاد بديل قوي ووطني للسلطة الفلسطينية، والبدء بثورة مسلحة ضد الاحتلال الصهيوني وأعوانه.

وإلى أن يحين الفرج القريب من الله لنا عودة مع حفلة مزاودة جديدة.  

كتب جزء من هذا النص في الضفة الغربية والجزء الأخر في الضفة الشرقية لنهر الأردن.
25-24  آب، 2012