Wednesday, July 20, 2011

فلسطين في عيون مارك توين


 كتب إياد نصار في القدس العربي بتاريخ 19-7-2011

فلسطين في عيون مارك توين
'الأبرياء في الخارج': نظرة استشراقية طافحة بالسذاجة والسخرية والكراهية



هذا كتاب قديم في أدب الرحلات، ولكنه خطير بمحتواه وأحكامه، التي تكتنفها السذاجة والمبالغات والسخرية والكراهية من كاتب مشهور، عرف عنه التحول في مواقفه وتوجهاته من تأييد الإمبريالية الى معاداتها، ومن النقد الديني الى النزعة المحافظة المدفوعة بتأثير ديني.
وللدلالة على خطورة الكتاب، يكفي أن نعلم أن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكما ذكرت صحيفة هآرتس، حمل معه فقرتين من الكتاب في العام 2009 الى واشنطن، لتقديمها الى الرئيس الامريكي باراك أوباما، باعتبارها دليلاً دامغاً، ومن كاتب أمريكي مشهور له وزن كبير في تاريخ الادب الامريكي، وينتمي الى مرحلة تاريخية تسبق الصراع العربي الاسرائيلي ونشوء القضية الفلسطينية، ما يشي بموضوعيته، حيث لم يكن النزاع قائماً آنذاك، لاقناعه، كما يزعم، بزيف الحق الفلسطيني وتهافت الاتهامات التاريخية لليهود باغتصاب فلسطين وتهجير الفلسطينيين، باعتبار أن فلسطين كانت مهجورة، كما تردد الحركة الصهيونية، قبل وصول المهاجرين اليهود الذين اقاموا المستعمرات الزراعية الاستيطانية!

قام الاديب الامريكي المشهور مارك توين واسمه الحقيقي صامويل لانجهورن كليمنس (1835-1910)، برحلة الى الاراضي المقدسة مع مجموعة من الحجاج الامريكيين وعددهم حوالي الاربعين في العام 1867 ، مرورا بمدن شواطيء البحر الابيض المتوسط ، كطنجة في المغرب، ومرسيليا في فرنسا ومنها براً الى باريس، وجنوة والبندقية وفلورنسا وروما، ومنها جنوباً الى صقلية في ايطاليا، وأثينا و'القسطنطينية' اسطنبول مروراً بمضيق البوسفور، حتى وصل مدينة أوديسا على البحر الاسود في روسيا آنذاك، ثم عودة الى مدينة سميرنا (ازمير) في تركيا، ومنها الى سوريا ولبنان حيث زار دمشق وبيروت وبعلبك، حتى وصل فلسطين. وقد دأب مارك توين على ارسال مشاهداته في هيئة مقالات اسبوعية لزاوية في صحيفة ألتا كاليفورنيا. وعندما عاد الى الولايات المتحدة نشر مقالاته في كتاب سماه 'الأبرياء في الخارج' The Innocents Abroad بعدها بسنتين، وأصبح من أكثر كتبه انتشاراً رغم شهرته روائياً وقاصاً، وخصوصاً بعد روايته 'مغامرات توم سوير' التي يروي فيها مغامرات طالب مدرسة ذكي ومتمرد على القيم الاجتماعية المحافظة، ومغامرات زميله المتشرد واسمه هاكلبري فن، وفيما بعد، عاد وكتب رواية 'مغامرات هاكلبري فن' والتي جعل هاك بطلها عندما صار رجلاً، فكانت رواية كبرى في تاريخ الادب الامريكي المعاصر لنقد واقع الحياة في المجتمع الامريكي المحافظ بسخرية، وطرح مشكلات العبيد ومعاناتهم والمعاملة المهينة التي كانوا يلاقونها، ونقد النفاق الاجتماعي.

قام توين بعد عودته بعدة جولات في عدد من المدن الامريكية، وألقى محاضرات حول مشاهداته، وكان مجرد الاعلان عن أنها حول زيارته الى الاراضي المقدسة، سبباً لحضور الجمهور الكثيف. وفي احدى المحاضرات التي القاها وكانت بعنوان 'مخرب أمريكي في الخارج' فقد انتقد تلك الطبقة من الامريكيين البسطاء، والذين يسارعون الى زيارة المعالم الرئيسة في المدن، ويجمعون بقايا من حجارتها، فقال متهكماً: 'ما تم جمعه من حجارة من بيت كولومبس في ايطاليا يكفي لبناء بيت من أربع عشرة ألف قدم'! ولكن المدن الحقيقية، كما يقول، لم تعد كذلك، فهم انما يحملون معهم أساطير الماضي وليس الواقع الحالي.

وسجل توين في الكتاب مشاهداته خلال الرحلة بلغة ساخرة جارحة أحياناً، وضمنه القليل من جوانب الاعجاب، والكثير من النقد لنمط الحياة والثقافة والتقاليد والفن في المدن التي زارها، وعقد المقارنات بينها وبين نمط الحياة والثقافة في الولايات المتحدة، بما يعكس ثقافته ونمط حياته في مواجهة أنماط لم يعتد عليها من قبل.

يحتوي الكتاب على كثير من المقارنات التي تنطوي على تصورات وقناعات متناقضة بين تجارب مارك توين ومشاهداته حول الاماكن التي زارها، وما كتبه آخرون عنها والرد عليهم. وقد امتاز بأسلوبه المعروف في السخرية والنقد المر والاسهاب، مع الاقتباس من الكتاب المقدس، وخاصة في الجزء المتعلق بفلسطين، التي زار جانباً من مدنها وقراها وسهولها وجبالها ووديانها وكنائسها وأديرتها، حتى غادرها الى الاسكندرية، عائداً الى الولايات المتحدة.

وكما هو مألوف في النقد الادبي في تفسير معاني الرحلة، فإنها تصبح رمزاً يشير الى اكتشاف الذات والاخرين، وتجربة خوض الحياة بعيداً عن رتابة الحياة واعتياديتها في الوطن، واتساع الافق نتيجة المؤثرات الجديدة، وتكوين خبرات مغايرة خلالها، حتى تصبح الرحلة بمعنى الولادة الفكرية للمؤلف، والسفر في أعماقه لاكتشاف الذات وأوهامها السابقة. الا أن الكتاب لا يعكس تطوراً فكرياً كبيراً ملحوظاً طرأ على أفكار مارك توين نتيجة الرحلة، بل بقي ينطلق من سذاجة الصدمة أمام كل ما هو مختلف في المدن التي مر بها، ومن كثير من الكراهية والاستغراب من ممارسات السكان المحليين، وعدم تفهم أسبابها ودوافعها، واستمر في استخدام اللغة الجزافية التي تعمم الاحكام.

يظهر توين ، كما قال أحد النقاد، بمظهر الابله البريء، وخاصة في عدم تقديره لمنجزات الحضارات السابقة، أو أعمال الفنانين العظام، مثل مايكل أنجلو، التي لم يبد تجاهها أي تقدير. بل إنه عاد باكتشاف جديد، يقوم على أن الكثير من الرحالة الامريكيين لا يقولون الحقيقة عما يجري في الخارج، ويجمّلون الصورة وينقلون الى القاريء الامريكي ما يرضي تشوقه، وليس ما هو واقع فعلاً. عكست أفكار توين بعضاً من التصورات التي كانت شائعة في الغرب عن الاراضي المقدسة، ولكن مجمل الصورة التي قدمها عن بلاد الشام عموماً، وفلسطين خصوصاً، كانت بالغة السوء. وفي أحيانا كثيرة يتحول الى السخرية من سكان المدن والقرى التي زارها، والذي يستحوذ على جانب كبير من الكتاب. كما يلجأ كثيراً الى اسلوب المبالغات في إظهار ضيقه بما يشاهده، فتجده يصف فلسطين بأنها المكان الاكثر وحشة وعزلة وبشاعة!

لا بد من الاشارة الى أن توين قام بالرحلة عقب انتهاء الحرب الاهلية الامريكية (1861-1865) بسنتين، وكان عمره اثنين وثلاثين عاماً، ولا شك أن أجواء الحرب والقلق على مستقبل الوطن والتمسك به وبقيمته ومنجزاته وتاريخه مقارنة بغيره، والدفاع عنه أمام نهضة البلدان الاوروبية الاخرى، وهدوء الحياة فيها قد اثرت عليه، علاوة على انطباعات الشباب التي غالباً ما تميل الى ردة الفعل الانفعالية المتطرفة.

تتحدث الفصول من السادس والاربعين الى السادس والخمسين عن ذلك الجزء من رحلته الذي شمل فلسطين منذ لحظة دخولها من عند منبع نهر الاردن في رافديه دان وبانياس، ومن ثم منطقة باشان في الجولان والعرقوب جنوب غرب سوريا ولبنان عند التقائهما بفلسطين.

ولم يكن ما قاله من نقد مرير يقتصر على فلسطين وحدها، فسوريا التي وصلها من قبل، وصف قراها بطريقة تنم عن التعصب والكراهية والاستعلائية، وحتى لو سلمنا أن بعض المشاهد حقيقة، فإنه لم يحاول التعرف على أسباب هذه الحالة البائسة، التي كان يعاني منها السكان العرب في ظل حكم الدولة العثمانية المريضة المنهكة بالحروب والبيروقراطية والسلطة الهرمية المتخلفة، والتي أدت الى افقار وتخلف السكان في المناطق الخاضعة لسيطرتها. قال في وصف حياة قرية سورية: 'ترى فجأة طفلا عارياً يمد يده للاستجداء ويقول بغشيش. إنه لا يتوقع سنتاً واحداً، ولكنه تعلّم أن يشحد قبل أن يتعلم أن يقول أمي، ولا يستطيع ترك ذلك الان... القرية السورية أكثر منظرٍ مؤذٍ في العالم'!

يمعن توين في الوصف بطريقة تنم عن التعالي والازدراء. 'جلس هذا الصباح خلال الافطار التجمع المعتاد للبشر القذرين، وانتظروا أن تلقى اليهم الفتات نظراً لبؤسهم. لقد ذكروني بالكثير من الهنود الحمر. جلسوا في صمت وصبر لا يكل، يراقبون حركاتنا بتلك الوقاحة المقيتة، والتي هي فعلا من صفات الهنود، والتي تجعل الرجل الابيض عصبياً وهمجياً يود ابادة القبيلة بكاملها'. ويضيف: 'لهولاء البشر صفات أخرى. فالحشرات تأكلهم والاوساخ قد غطت أجسادهم تماماً. والاطفال في حالة يرثى لها. فعيونهم جميعاً ملتهبة'. ويعلق بكلمات تفوح منها العنصرية قائلاً: 'هل تتخيلون أن أما أمريكية يمكن أن تجلس لمدة ساعة وطفلها في يديها وتدع المئات من البعوض تدور حول عينيه كل هذا الوقت ولا تفعل شيئاً؟'


يتحدث توين عن مشكلة المواصلات والتنقل، والتي شكلت مبعث قلق بالنسبة له عندما علم أنه لا توجد في فلسطين خدمة نقل الركاب المسافرين، وأن من الصعوبة الحصول على مترجمين فوريين، أو الحصول على دواب للمرافقين. 'في القسطنطينية أبرق الجميع الى القناصل الامريكيين في الاسكندرية وبيروت لاخبارهم أننا سنكون في حاجة الى مترجمين ووسائل نقل. لقد كنا فاقدي الامل، وكنا سنأخذ خيولا، أو حميرا، أو جمالا أو كناغر، أو أي شيء'!

وينم حديثه عن نوع من خيبة الامل، التي أحس بها هو والحجاج الذين معه نتيجة تصوراتهم الخاطئة التي حملوها معهم قبل الزيارة، فلم يشعروا بابتهاج أنهم اقتربوا من دخول الارض التي قطعوا كل هذه المسافات لزيارتها. كتب يقول عن رفاقه: 'كانوا على مبعدة ساعة واحدة من حدود الارض المقدسة، غير أنهم بالكاد بدأوا يقدرون أنهم يقفون على الارض التي طالما قرأوا عنها، وبدأت الاسماء التاريخية تنفض عنها الغبار'. وفي رأي مارك توين فإن دان هو حد فلسطين من الشمال، وبئر السبع حدها في الجنوب، ويقول: 'إن هذا هو ما يدل عليه القول المعروف 'من دان الى بئر السبع'. وهذا شبيه بقولنا، 'من ماين الى تكساس' [أي من الشمال الى الجنوب] و'من بالتيمور الى سان فرانسيسكو'، [أي من الشرق الى الغرب]. وذكر أنه لو تم تقسيم ولاية ميسوري فإنها تساوي ثلاث فلسطينات!

شعر توين بالذهول أمام مساحة فلسطين الصغيرة مقارنة بالولايات المتحدة، ولكن الذي أثار دهشته وعكس سذاجة تفكيره واحتكامه الى معايير ثقافته التي تحكم على الاخرين والعالم من خلالها، هو أن لفلسطين هذا التاريخ العريق رغم مساحتها الصغيرة. 'لقد كانت أفكاري جامحة كثيراً. لقد ارتبطت الكلمة فلسطين في ذهني على الدوام بصورة غامضة لبلد كبير بحجم الولايات المتحدة. لا أعرف لماذا، ولكن هكذا بدا لي الامر. وأغلب الظن أن سبب ذلك كان باعتقادي أنني لم أتخيل أن بلداً صغيراً يمكن أن يكون له مثل هذا التاريخ العريق'. غير أنه يستدرك فورا لينقلب الى التهكم الساخر: 'لم تتغير فلسطين منذ تلك الايام لا في أخلاقها ولا عاداتها ولا عمارتها أو شعبها'.

ومن المقارنات الغريبة التي يوردها قوله: 'إن الرجال العرب حسنو المظهر، ولكن النساء العربيات لسن كذلك! نحن كلنا نؤمن بأن مريم العذراء كانت جميلة، ومن غير الطبيعي أن نفكر بغير ذلك. ولكن هل يفترض ذلك فينا أن نسير على نفس المنهج ونعد نساء الناصرة الحاليات جميلات؟'

ترد كلمة 'بغشيش' بلفظتها في الكتاب للاشارة الى اشياء لم يكن من الممكن تحقيقها دون اعطاء مبلغ من المال نظير الحصول عليها، وإنه لم يكن سوى البغشيش من سبيل لذلك. ويستخدم الكلمة كثيراً عند حديثه دائماً عن العرب الذين يمر بهم في سوريا وفلسطين، وإنه لا همّ لديهم سوى استجداء المال من الزوار.

وحول تجربته مع الاديرة الكاثوليكية في فلسطين والتي هزت قناعاته التي نشأ عليها، فقد كتب: 'لقد نشأت على كره أي شيئ كاثوليكي ، وأحيانا ، وكنتيجة لذلك ، فقد وجدت أنه من الاسهل أن تكتشف الاخطاء الكاثوليكية أكثر من الفضائل. ويقول: 'لكن هناك شيئاً واحدا لا أود نسيانه أو التغاضي عنه وهو العرفان بالجميل الذي ندين به أنا وكل الحجاج الى آباء الكنيسة في فلسطين، فأبوابهم دائماً مفتوحة، وهناك دائما ترحيب بمن يدخل... وبدون هذه الملاجيء المضيافة فإن السفر في فلسطين متعة لا يجرؤ أقوى الرجال على القيام بها'.

ولم تنج كنيسة المهد في بيت لحم من نقده المتعسف حيث ذكر أن 'طراز بناء مغارة الميلاد كان يفتقد للذوق، وتلك هي السمة البارزة في كل الاماكن المقدسة في فلسطين'. ولم ينج كذلك رعاة الكنيسة من نقده: 'ومثلما هو الحال في كنيسة القيامة، فإن الكهنة في كنيسة المهد كانوا يعبرون عن الشعور بالحسد ويفتقدون الى لمسة الاحسان'. وقال مصوراً الجو العام على نحو يفيض بالشكوى، ويبتعد بالمكان عن الروح الايمانية التأملية: 'لا يمكن أن تستطيع أن تفكر هنا على نحو يثير فيك الالهام والتأمل مثل أي مكان آخر في فلسطين، فالشحادون والمقعدون والرهبان يحيطون بك، ولا يجعلونك تفكر سوى بالبغشيش'. ولهذا لا يخفي سعادته الكبيرة بمغادرة بيت لحم الى القدس، بعد أن زار قبر راحيل، وابتعد عمن وصفهم بـ'جيوش الشحادين وباعة القطع الاثرية'.

لم تكن هذه المرة الاولى التي يلجأ مارك توين فيها الى السخرية من العرب، فقد ذكر في روايته 'هاكلبري فن'، التي كتبها بعد عدة سنوات من الرحلة أنه تم طلاء العبد الاسود الهارب عبر نهر المسيسبي باللون الازرق، وتصويره كمهرج في السيرك كي يتمكن من الهرب، وقد وضع عليه لوحة تقول 'العربي المريض' وبجانبها، كتب يقول: 'ليس مؤذياً عندما لا يفقد عقله'!

ومما يلفت الانتباه هو ميل مارك توين الى التشكيك دائما فيما كتبه الرحالة الاخرون، وتسفيه قناعاتهم واستغرابه منها بناء على تجربته هو: 'ربما تقتضيني الحكمة الشائعة أن أصطنع كذبة لطيفة واقول بأنني تركت فلسطين عن غير رغبة مني. إنهم يتظاهرون بقولها. ولذا اشك في كلام كل من يقول ذلك. وأقسم بأنني لم أسمع أياً من حجاجنا الاربعين يقول شيئاً من هذا القبيل'. تفيض الكراهية من كلماته بطريقة فجة حتى في لحظة وداعه للارض المقدسة في قوله: 'فلسطين مقفرة وغير جميلة. ولماذا تكون غير ذلك؟ هل يمكن للعنة الرب أن تجمّل أرضاً؟'

وأنا أعتقد أن الحالة النفسية لمارك توين بسبب البعد عن الوطن، وخاصة أنه قضى سنتين بعيداً عن نمط الحياة والثقافة التي تعود عليها، يضاف الى ذلك حالة الفقر والتخلف التي كانت سائدة في المنطقة تحت الحكم العثماني، والمفارقة الشديدة بين حال مدنها وقراها، وحال المدن الاوروبية التي زارها، لعبت كلها دوراً في شعوره بالصدمة استناداً الى تصوراته غير المنطقية التي حملها معه، مما جعله يلجأ الى اللغة التهكمية، كقوله: 'من بين كل البلدان التي تمتاز بالمشاهد الكئيبة الفظيعة، فإن فلسطين هي رائدها! تلالها مقفرة، وخاملة الالوان، وبلا ملامح جميلة الشكل. وديانها صحاري يرثى لحالها المزري، كل تضاريسها قاسية خشنة، إنها أرض كئيبة بلا أمل ينفطر لها القلب'!

إن وصف فلسطين، باعتبارها أرضاً يباباً بهذه الطريقة، لا يمكن أن يكون صحيحاً أبداً، وخاصة في ظل ازدياد رحلات الحج الى الاراضي المقدسة في عصره، والتي كان مارك توين نفسه أحد حجاجها.

بعد كل هذا، لا عجب أن وجدت الحركة الصهيونية في الكتاب كنزاً توظفه لإظهار أن فلسطين كانت مهجورة من السكان، وأن من عاشوا فيها ليس سوى مجموعات متناثرة من الفقراء البؤساء الذين تركوها خراباً آلاف السنين. ولهذا احتفى اليهود بالكتاب كثيرا لاسناد دعاويهم في أن بريطانيا 'منحت أرضا بلا شعب لشعب بلا أرض'.

يحتاج دحض المزاعم في الكتاب الى الكثير من الجهد والبحث التاريخي وتقديم الادلة التي تفند الادعاءات الصهيونية. ويكفي في عجالة أن نقول إن الفترة ما بين زيارة مارك توين لفلسطين في عام 1867، وقيام أول مؤتمر وطني فلسطيني في سنة 1919 ضد اليهود وسلطات الانتداب البريطاني، في اشارة الى بروز وعي واسع بخطورة الهجرة اليهودية وسلب الاراضي تبلغ حوالي خمسين عاماً. فهل تحولت فلسطين فجأة من بلاد مقفرة من السكان الى بلاد تمور بالحراك وبالثورات التي تعبر عن استشعار الخطورة ورفض المخططات للاستيلاء على فلسطين؟ كما أنه من المعروف أن فلسطين تشتهر بكثرة القرى والبلدات والتجمعات الزراعية من شمالها الى جنوبها بشكل كبير جدا، حتى لا تجد شبراً إلا وهناك قرية فلسطينية وباسمائها العربية. ومن ينظر الى خارطة فلسطين يدهشه هذا الكم الهائل من مواقع القرى التي لو رمينا إبرة عشوائيا على الخارطة لوقعت في كل مرة في موقع قرية فلسطينية. إن حجم القرى الفلسطينية والبيوت التي استولى عليها اليهود إثر نكبة عام 1948 يدل على كثرتها الهائلة، وعلى مدى الكثافة السكانية فيها، والدليل على ذلك أن عدد الفلسطينيين قبل النكبة بلغ مليون ونصف نسمة.

إن معظم شعب فلسطين قبل النكبة كانوا من الفلاحين المرتبطين بالارض والزراعة وبيوت الحجر والبيارات والبيادر، وليسوا متنقلين أو طارئين على المكان. والمفارقة، أن اليهود وبرغم هجراتهم الهائلة بالالوف التي سهلها الانتداب البريطاني وخاصة من اوروبا وشجعتها الحركة الصهيونية وقدمت لها المال، لم يبلغوا حجم سكان البلاد الاصليين وقت النكبة. كما لا يذكر التاريخ أن هذا العدد الضخم من الفلسطينيين قدم اليها مهاجرا من دول أخرى كما فعل اليهود. فمن أين اذن جاء الفلسطينيون لولا أنهم عاشوا على أرضها عبر التاريخ؟ إن الابرياء الذين اغتصبت أراضيهم فعلا في الخارج!
ناقد من الاردن