Monday, October 18, 2010

سجن جنيد والفلافل


سجن جنيد والفلافل


في سنوات طفولتي الأولى تعودت على عادات أصبحت فيما بعد جزءاً من تاريخي الشخصي وطريقة تفكيري التي تصفها والدتي بالعجيبة والتي تحتاج إلى تقويم. كانت جدتي تصطحبني  إلى مكان كنت أجده مسليا نوعا ما , رغم الألم الذي كان يعتري صدور الكبار إلا أننا الصغار كنا نجده مكانا للعب والترفيه , لم نكن ندرك مدى الألم الذي يعتصر أمهاتنا وجداتنا وهن يصطحبننا إلى السجون واحدا تلو الأخر لنزور الأقارب  والأعمام والجيران, كانت زيارة السجن وكأنها العيد الذي نشتري فيه كعك القدس لنأكله بكل فرح وشراهة.
في إحدى زيارتي للسجن تشاجرت مع أحد أبناء جيراننا الذي كان أيضا متوجها مع والدته لزيارة أخيه الأكبر في سجن جنيد , لم يكن سبب المشاجرة سببا قويا يدفعنا إلى ضرب بعضنا , بكل بساطة  كان ذاك الولد يحمل الفلافل  ورفض  أن يطعمني منه , فجنَ جنوني وأخذت أضربه وأصيح فيه , لم تكن والدتي معنا في تلك الزيارة  مما شجعني على المضي قدما في أعمال الشغب والمشاجرات مع الأولاد الآخرين. جدتي المسكينة و بعد جهد جهيد تمكنت من السيطرة على المشاجرة وإقناعي بأن الفلافل ليس صالحاً للأكل.  كانت زيارة السجن عبارة عن رحلة لشراء الفلافل والسكاكر والكعك بالإضافة  إلى مواصلة النظر  إلى البيوت ذات السقوف الكرميدية والتي كانت لا تشبه بيوتنا بشيء. كانت مناظر تلك البيوت تأسرنا وتأخذنا إلى عالم الرسوم الكرتونية. كان وجود تلك البيوت- البعيدة نسيبا عن مسار الطريق- نعمة مؤقتة لجداتنا وأمهاتنا حيث كنَا معظم الوقت مشغولين بالنظر إليها والتأمل فيها مما كان يضفي بعض الهدوء على جو الرحلة.

في سنوات لاحقة أدركت أن تلك البيوت ما هي إلا المستوطنات التي قطعت أوصالنا وجعلتنا أحيانا قبائل متناحرة, أجل المستوطنات والتي معظم العاملين فيها من أبناء جلدتي, وبعضهم كانوا زملائي في مساق الأدب المقارن, يا لها من مفارقة ليست عجيبة وإنما أليمة.
توقفت وجدتي  عن زيارة السجون واحدا تلو الآخر لان بعض المساجين انقضت مدة محكومتيهم التي تراوحت بين أربعة عشر عاما وخمسة وعشرين عاما. أنا وجدتي توقفنا عن زيارة السجون ولكن أناسا آخرون لا يزالون يزورنها ويذوقون طعم المرارة في كل زيارة.