Friday, October 22, 2010

السلام الوطني الابراهيمي


السلام الوطني العجيب

منذ أن دخلت المدرسة وأنا معتادة على سماع و ترديد السلام الوطني الرائع الذي طالما أحببته والذي سأكتشف فيما بعد أنه إحدى قصائد شاعرنا العظيم إبراهيم طوقان. لم يكن مستعصيا على الحفظ فقد كان سلسلا ذو معان عميقة ورائعة.
 استمر ترديدي للسلام الوطني حوالي خمس أو ست سنوات. لم أشعر قط  بالملل وأنا أردد ذاك النشيد  الذي أصبحت فيما بعد  أطلق عليه اسم  السلام الوطني الإبراهيمي تيمنا بالشاعر إبراهيم طوقان لاعتقادي أن كل من يدعي إبراهيم هو صاحب تأثير وسلطة  كبيرين  فمثلا الاسم الكامل للحرم هو الحرم الإبراهيمي تيمنا بسيدنا إبراهيم عليه السلام, هكذا كنت اربط الأشياء بعضها ببعض  من غير الانتباه إلى أن تلك الروابط  تفتقر إلى الأساس المنطقي نوعا ما. لم يكن السلام الوطني جزءا من الروتين اليومي , فمعاناة شعب وأمل شبابه بالتحرير ليست بالروتين اليومي الملل , فإذا تحولت يوما ما إلى روتين يومي قاتل فإنها في طريقها للزوال. كان الترديد اليومي المستمر للسلام الوطني حالة خاصة أشبه بالانتقال للعيش بين الصور البديعية بين ثنايا الكلمات والأوزان الشعرية, على الرغم من أننا كنا صغار ولم نكن ندرك مدى جمال التصوير الشعري لكننا كنا نحاول قدر المستطاع تخيلها والعيش فيه ولو لبرهة من الزمن.
لا أدري كيف اضطررنا يوما لتغيير السلام الوطني الذي اعتدنا عليه وألفنا كل حروفه وكلماته ومعانيه , لا أدري من هو صاحب فكرة تغيير السلام الوطني , لا أدري ما المغزى من تغييره , هل تم استبداله بنشيد آخر من أجل إنشاء جيل  لايعرف كيف يميز الطيب من الخبيث ؟ هل أجبرنا على تغيير نشيدنا لنصبح جيلا لا يعرف من الحقيقية شيئا؟

في الواقع لم أنسجم مع النشيد الجديد إلى هذه اللحظة , لم أعدد اردد السلام الوطني كل صباح , اكتفي بالصمت ومحاولة أيجاد شيء يلهيني عن الاستماع إليه, كنت أحيانا أتظاهر بأنني أردد النشيد كباقي زملائي في المدرسة عندما أسمع المعلمة تصيح بنا لنردد النشيد بصوت أعلى  , لا أدري إذا ما يستحق أن نطلق عليه صفة نشيد ,فأنا أراه ابعد ما يكون عن النشيد بالرغم من الكلمات التي زينت جوانبه لتبعدنا شيئا فشيئا عن السلام الوطني الإبراهيمي.
هل نحتاج إلى تغيير أفكارنا, نمط حياتنا الممل, عاداتنا الصباحية مع كل اتفاقية جديدة ؟ أصبح نمط حياتنا يتغير شيئا فشيئا, الاتفاقيات, المؤتمرات, الاجتماعات, المفاوضات,قمم جامعة الدول العربية, زيارات واشنطن, وكواليس مكاتب تل أبيب,  ما هي إلا وسائل لتغيير نمط حياتنا نحو الأسوأ.
 هل خاف احدهم ان ندرك يوما ما كان إبراهيم طوقان يحاول أن إخبارنا إياه ؟ هل أدرك احدهم أن إبراهيم طوقان رأى ما نعجز عن رؤيته الآن,لا أدري كيف قررأحد أعضاء فريق سماسرة البلاد استيعاب الأمر سريعا ومنعه من الانتشار بين أبناء جيل مشتتي الفكر والهوية فقام واستبدل ابراهيم طوقان بإحدى اتفاقيات واشنطن.

يا هَناكْ في عُلاكْ قاهراً عِداكْ
هل أراكْ في علاكْ تبلغ السِّماكْ؟