Saturday, September 29, 2012

اعتقالات الأمن الوقائي في الضفة الغربية وهدفها الأسمى


يقول الراحل غسان كنفاني " لن تستطيعي أن تجدي الشمس في غرفة مغلقة" لكن للأسف أضحينا نبحث عن الشمس داخل غرفة مغلقة تسمى الضفة الغربية واقتصادها المتهاوي وكأن إصلاح الوضع الاقتصادي المصمم أصلاً من قبل المحتل هو بمثابة إيجاد الشمس التي نبحث عنها، وعليه فإن الاحتجاجات القائمة بسبب تدهور الوضع الاقتصادي هي بمثابة محاولات يائسة لإيجاد الشمس في غرفة مغلقة من جهاتها الست.
جميع فعاليات الاحتجاج على الغلاء المعيشي في الضفة الغربية معلقة منذ أسبوع تقريباً وذلك من أجل إعطاء الحكومة الفلسطينية فرصة لتعيد النظر في قرارتها الاقتصادية الأخيرة والتي ساهمت بشكل قوي في حرف بوصلة الشارع الفلسطيني عن مواجهة الاحتلال الصهيوني. ظاهر الأمر يبدو وكأنه يوجد حالة من الوفاق بين المحتجين وبين الحكومة من أجل التوصل لحلول سلمية للوضع الاقتصادي المتردي والنأي بالبلاد عن فعاليات احتجاجية قد تدمر كل ما تم بنائه من أجل الدولة الفلسطينية العتيدة والتي سوف تمنح لنا على طبق من ذهب في أروقة الأمم المتحدة. "عيش يا كديش" 
في واقع الحال فإن  الأمر هو أكثر تعقيداً وبراغماتية ويحمل جوانب عدة وغموضاً قاتلاً لمن يغض البصر عن ممارسات أجهزة الأمن الوقائي في الشارع الفلسطيني. إن المتابع للصحافة الصهيونية سواء منها المعتدلة أو المتطرفة فإنه يلحظ مدى الارتياح السائد في الأوساط الصهيونية من حملات الاعتقال التي تجري على قدم وساق في الضفة الغربية والتي تساهم حسب رأيهم في تأمين نقاط التماس من "الإرهاب الفلسطيني". وكأن مقاومتنا أضحت إرهاباً.
لا أدري كيف نجحت السلطة في إقناع المحتجين بأهمية تعليق الفعاليات حتى إشعار أخر، وإني أرى بأنه من الخطأ الاستجابة لهذا النوع من المطالب. فتلك الأسابيع التي منحها المحتجون للحكومة هي بمثابة فرصة حتى تستطيع السلطة ونظامها الأمني ترتيب أوراقهم فيما يضمن لهم السيطرة على مجريات الأمور وتوجيه بوصلة الشارع حيثما يريدون أو ربما إخفائها.
 وقف الاحتجاجات هي فرصة ذهبية في وقت حرج وذلك حتى لا يتم  تشتيت جهود الأمن الوقائي بين  اختراق صفوف المتظاهرين  وبين حملات الاعتقال  والتنسيق الأمني مع الجانب الصهيوني  والتي بلغت ذروتها وقد لا نستغرب إذا ما بدأت تلك القوات بتوجيه نيرانها وقنابلها الغازية تجاه معتقليها السياسيين، واللذين وجدوا أنفسهم يعرضون على المحاكم بتهمة تخريب الممتلكات العامة أثناء الاحتجاجات الأخيرة.
إن الاعتقالات الأخيرة التي طالت موظفين وأساتذة وطلاب جامعات لا تهدف إلى القبض على من افتعلوا أعمال الشغب أثناء الاحتجاجات لأن من قام بتلك الأعمال معروفين لدى أجهزة الأمن وقد حازوا على بركاتهم قبل البدء بأعمالهم. وإنما تهدف إلى اعتقال النشطاء اللذين ساهموا في تأجيج الشارع والهتاف برحيل أبو مازن والسلطة الفلسطينية وهو ما لم يكن متوقعاً لدى بعض رجالات السلطة، حيث أن تلك الهتافات جعلت من النظام القائم  يستشعر الخطر فرأى أن أفضل وسيلة للحفاظ على بقائه هي الاعتقالات والمحاكمات ولا يخفى على أحد أن تلك الاعتقالات طالت أبناء حماس والجهاد الإسلامي بما فيهم الأسير المحرر ثائر حلاحلة والحبل على الجرار.
 إن تلك الاعتقالات تهدف إلى قمع أي محاولات شعبية فلسطينية وطنية لتوجيه بوصلة الشارع نحو الاحتلال مباشرة وكأن السلطة تقوم بإجراءات احترازية حفاظا على أمر ولي نعمتها "العدو الصهيوني" ... ظاهر الصورة يخبرنا بأن وقف الاحتجاجات هو فرصة لدراسة الوضع الاقتصادي القائم والخروج بحلول عملية، لكن واقع الأمر معاكس تماماً لما يحاول البعض الترويج له.  
لا ندري بعد أين سوف توصلنا تلك الاعتقالات والمحاكم التي باتت تعقد للمعتقلين بتهم عدة من أهمها تخريب الممتلكات العامة والتردد على المساجد والتخطيط للانقلاب على الحكومة في الضفة الغربية.
ربما يدرك أحدهم يوماً ما بأن عليه التظاهر ضد تلك الاعتقالات والمحاكم الهزلية، لكن إلى أين سوف توصلنا تلك المظاهرات؟ هل سوف يكون لها مساهمة فاعلة في إعادة ترتيب جدول أولويات الشارع الفلسطيني لتكون قضايا اللاجئيين والأسرى  والمقاومة على رأس سلم الأولويات، أم أن هناك جانباً أخر للموضوع لم ندركه بعد خاصة أن السلطة الفلسطينية لم ولن تسمح بأي خطوة تؤدي إلى الإشتباك المباشر مع الإحتلالين الصهيوني والأمريكي.
 الشارع في الضفةالغربية وبالتحديد في الخليل يغلي ولكن لا نستطيع التعبير علانية عن مدى امتعاضنا من حملات الاعتقال التي طالت معظم أبناء المدينة الرائعين بثقافتهم وعلمهم وانتمائهم الوطني بغض النظر عن انتمائهم الحزبي. اتمنى أن لا يدفعنا الأمن الوقائي بحملاته المسعورة لتفريغ غضبنا ضده وبالتالي ضمانه عدم توجيه بوصلتنا نحو شارع الشهداء ووادي النصارى والدبويا ومدرسة أسامة.
وكما يقول غسان 

“ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقّدة.

وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة..

إن الانحياز الفنّي الحقيقي هو:كيف يستطيع الإنسان أن يقول الشيء العميق ببساطة. " ولكم في ما بين السطور عبرة يا أولي الألباب. 




Tuesday, September 11, 2012

الوجه الأخر لمظاهرات الخليل


منذ توقيع اتفاقية أوسلو والتي تصادف ذكراها 19 يوم الخمس المقبل والوضع فيما تبقى من أرض فلسطين يزداد سوءا، المستوطنات تكبر يوماً بعد أخر والتهجير لا يزال مستمراُ على قدم وساق، والأسرى الفلسطينيون يعيشون وكأنهم على كوكب أخر. ولكن وبالرغم من كل ما حدث ويحدث منذ توقيع تلك الاتفاقية والسلطة الفلسطينية لا زالت تحلم بالسلام وحل الدولتين وبالقدس الشرقية عاصمة لفردوس مفقود.
السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها وهي تحلق بركب الديمقراطية الأمريكية المخصصة لمنطقة الشرق الأوسط، فترى السلطة يوماً مع ذاك ويوماً مع هذا حسب ما تمليه سياسات الإدارة الأمريكية في المنطقة والتي توفر حماية لا بأس بها للحامي الأول لأمن اسرائيل. باختصار السلطة الفلسطينية لا تعدو كونها وكيلاً للاحتلال الصهيوني تعمل على حماية أمنه ومطاردة كل من يرغب بالكفاح المسلح وتسليمه إلى الطرف الأخر في الصراع. لكن منذ انطلاق ما يسمى بالربيع العربي في الدول العربية المجاورة بدأت السلطة تنهج نهجاً جديدا- قديماً يسمى بالاستحمار وذلك حفاظاً على نفسها من الانهيار والسقوط في ظل إخفاقاتها المتعددة على المستوى الشعبي وانعدام الثقة بسبب الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة.  
إن المتتبع لتاريخ السلطة في التعامل مع الوضع الداخلي الفلسطيني يدرك جيداً بأن السلطة لم ولن تسمح بأي فعل يؤدي إلى الاشتباك المباشر مع الاحتلال، وخير دليل على ذلك حملات الاعتقالات التي طالت جميع أعضاء الفصائل الفلسطينية التي لا زالت تؤمن بالكفاح المسلح حلاً لتحرير الوطن، وبالطبع لا يخفى على أحد التنسيق الأمني بين الطرفين لضمان عدم إطلاق رصاصة واحدة ضد "اسرائيل ". وحتى لا يقال بأن السلطة هي نظام ديكتاتوري أو فاشي فإنها استغلت عواطف الشعب المتأججة نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي وحماسهم لعيش تجربة الدول المجاورة في الثورات وسمحت بالاعتصام والتظاهرات السلمية ضد موجة الغلاء الأخيرة وضد رئيس الحكومة الذي يحظى بتأييد من الإدارة الأمريكية.
الاحتجاجات في الشارع لفلسطيني ضد الحكومة ورئيسها لو امتدت لشهر واحد مع أهداف واضحة لكانت كافية لإسقاط السلطة وتوجيه البوصلة نحو الاحتلال.لكن ربما لم يحن الوقت بعد.
إن السيناريو الذي حصل البارحة في الخليل ما هو إلا دليل على نية أحدهم امتصاص غضب الشارع من خلال اتاحة الفرصة لتجسيد مشاهد " ربما ثورية " من الدول المجاورة ... عندما بدأ الشباب بالهتاف ضد أبو مازن ورحيل السلطة انطلقت مجموعة لا تتعدى 20 شخص إلى مبنى البلدية لتقوم بتكسير واجهته وتنطلق فيما بعد الكتيبة الخاصة الأولى من الشرطة معززة قنابل الغاز المسيل للدموع ودروع الأمن الوقائي البشرية لحماية بلدية الخليل. حاولت الشرطة فض الاعتصام الأول الذي شارك به حوالي 5000 شخص لكن لم تنجح وكانت النتيجة بأن العدد تضاعف ليصبح 10000 شخص بحلول الساعة الرابعة هاتفين برحيل السلطة والرئيس لتنطلق مجموعة أخرى وتقوم بتكسير مقر شرطة الحرس وإعادة سيناريو قنابل الغاز المسيلة للدموع وتمتد الاشتباكات حتى ساعات متأخرة من الليل لينتج عنها 150 مصاباً. لا ندري بعد من الذي افتعل كل تلك الأحداث ومن المسبب الأول والأخير لها، وإني لأشهد له بالذكاء فهو المدرك جيداً لقوة وتأثير الشارع في الخليل والذي إن غضب ترك منطقة عين سارة وتوجه لمنطقة باب الزاوية التي شهدت البارحة توتراً كبيراً صاحبه تعتيم إعلامي كبير ومقصود.
الخليل البارحة كانت بأشد الحاجة لمن يوجه بوصلتها نحو الطريق الصحيح وليس لمن يحصرها في منطقة عين سارة وابن رشد.  
أخيراً، حتى تكتمل الصورة يجب أن نتذكر أن الأسرى القدامى سوف يخوضون إضراباً مفتوحاً عن الطعام حتى الحرية أو الشهادة وهو ما ينذر باحتمال انطلاق انتفاضة ثالثة ليست ضمن حسابات ولا مصلحة عباس وزمرته، وهو ما دفعه لتقديم كافة التسهيلات للمظاهرات والشاحنات الجرافات للتظاهر ضد رئيس حكومته وربما ضده شخصياً مما يضمن له عدم التمكن من حشد الدعم الشعبي من أجل دعم إضراب لا يصب في مصلحته ولا مصلحته حليفه الإسرائيلي.    السلطة تسقط شرعيتها حينما نبدأ بإحراجها مع "إسرائيل " وتوجيه البوصلة نحو اسرائيل وليس نحو رئيس حكومة أو رئيس سلطة زائل مع انطلاق أول شرارة للانتفاضة. ودمتم سالمين


Tuesday, September 4, 2012

جرافات الخليل بين غلاء فياض واستحمار أبو مازن


للأسف نجح نظام أوسلو في تغيير قائمة أولوياتنا لتجعل من الشهيد والأسير والأرض المصادرة في أسفل سلم الأولويات، وجاعلاً من رغيف الخبز الهم الأول والأخير للمواطنين على الرقعة الصغيرة التي بقيت من أرض فلسطين ...  على الأقل كنت أتمنى أن أرى الجرافات والشاحنات  تغلق شوارع مدينة الخليل من أجل الأسرى في سجون الاحتلال الصهيوني .. ربما نحن الآن أمام مفترق طرق ظاهره أزمة اقتصادية وسياسية خانقة وباطنها تصفية لما تبقى من صفحات الثورة الفلسطينية.. الاعتقالات لا زالت مستمرة على قدم وساق... تارة من قبل قوات الاحتلال الصهيوني وتارة من قبل أجهزة المخابرات الفلسطينية .. المستوطنات تكبر يوماً تلو الأخر.. ونحن نقاتل الموت من أجل لحصول على رغيف الخبز ..

منذ الصباح الباكر بدأ الناس والشاحنات " 300 شاحنة " بالتجمع من كافة أرجاء المدينة ابتداء من منطقة الفحص  الصناعية ذات الخصوصية والحساسية الكبيرة بسبب قربها من نقاط وحواجز الاحتلال الصهيوني المشرفة على الطريق الالتفافي المخصص للمستوطنين القادمين باتجاه البلدة القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف. التجمع الذي بدأ في منطقة الفحص نتج عنه اعتقال خمسة مواطنين من قبل قوات الاحتلال. لا أدري بعد إن كان هناك تنسيق أمني بين الطرفين الصهيوني والفلسطيني فيما يتعلق باعتقال هؤلاء المواطنين، أم أنها مجرد صدفة. 

بحلول الساعة 12 ظهراً قام أصحاب المحلات في منطقة دوار المنارة بإغلاق محلاتهم والتوجه لدوار ابن رشد لتتسع حركة الإغلاق وتشمل كافة شوارع المدينة... أعداد الناس على دوار ابن رشد في تزايد مستمر وأعلن المحتجون الاعتصام المفتوح حتى رحيل سلام فياض وحكومته "ردة فعل عاطفية"...الحراك في المدينة حتى اللحظة لا يعدو كونه " فشة خلق "..كلنا أمل أن يتخذ الإحتجاج شكلا أكثر قوة وحزماً وتنظيماً في الأيام القادمة وأن لا يكون ضمن خطة الإستحمار الوطنية الكبرى ...


المستغرب في مظاهرة اليوم أن قوات الأمن الوقائي لم تشتبك مع المواطنين كعادتها، على الرغم من تواجدهم بكثافة وباللباس المدني .. ربما لو هتف أحدنا ضد أسلو وضد إسقاط نظام أوسلو، والتنسيق الأمني، وضد الاحتلال الصهيوني لكان المشهد أكثر دموية وتوتراً ... نجح نظام أبو مازن في توجيه غضبنا ضد الحكومة الفلسطينية ورئيسها سلام فياض، وذلك ليبعد أنظارنا ويشتت انتباهنا عن التنسيق الأمني الذي يجري على قدم وساق ودون توقف ...  وعن مشروع القدس الكبرى الذي تروج له الحكومة الصهيوينة منذ مدة ...وعن أمور أخرى لا زلنا نجهلها بسبب انشغالنا برغيف الخبز...  وربما يجدر بنا أن نسأل أنفسنا لماذا تم البارحة منع الشباب والذين يقدر عددهم ب 2000 شخص من التوجه لمقرات الأمن الوقائي ومبنى المحافظة، ولماذا تم التغاضي عن الموضوع وكأنه لم يكن ولم يحدث أصلاً .. في الواقع نجحت قوات الأمن الوقائي نجاحاً باهراً البارحة في امتصاص غضب الشارع وتوجيهه توجيهاً كاملاً ضد شخص سلام فياض ....  قد أكون أخطأت في قراءة المشهد في الخليل، وقد أكون وقعت ضمن شبكة الاستحمار الوطنية الكبرى... ولكن لا زلت أرى بأنه لم يحن الوقت بعد لنحرك جرافاتنا وشاحناتنا ضد  اتفاقية أوسلو ونظامها العفن  ...










Sunday, August 26, 2012

يا زريف الطول

دعوة للتظاهر وفتح خيم التضامن من أجل الأسرى

تم كتابة هذه السطور ونشرها في 22- 8  -2012 .. وتم حذفها لأسباب خارجة عن إرادتنا ...

أن نعيد التفكير في مدى قدرتنا على الدفاع عن هذا الوطن فإنه أمر بالغ الصعوبة في ظل الاوضاع الاقتصادية الراهنة التي حصرت قدراتنا في زاوية ضيقة تكاد لا ترى بالعين المجردة. 

 قبل البدء بإلقاء اللوم على الحكومة والوزارة ونادي الأسير سوف أبدأ بإلقاء اللوم على نفسي وذلك لانشغالي الطويل بقضايا لا تسمن ولا تغني من جوع بينما يزداد يوماً بعد يوماً عدد الأسرى الفلسطينين اللذين يخوضون معركة الأمعاء الخاوية ... ومع كل يوم جديد تبتكر القوات الصهيونية وسائل جديدة لتعذيبهم وإهانتهم ...

لن أطيل الحديث ولن ألوم أحداً سوى نفسي على إغلاق خيم التضامن مع الأسرى في السجون الصهيونية ... من جديد يخوض الأسرى : حسن الصفدي، سامر البرق، أيمن الشراونة وسامر العيساوي إضراباً مفتوحاً عن الطعام والذي قد ينتهي إما باستشهاد أحدهم أو نيلهم الحرية .. ولكن طالما نحن قابعين في بيوتنا وراء أجهزتنا المحمولة فالسيناريو الأرجح هو أن يستشهد أحدهم في أي لحظة ... 

الإعتداءات اللفظية والجسدية وسياسة العزل الإنفرادي لم تنته بعد .. ومعركة الأمعاء الخاوية لم تنته بعد .. لا أدري لماذا نزلنا عن الجبل مبكراً، بينما لا يزال الجنود في أرض المعركة ... 

دعوتي اليوم للأحرار الشيخ خضر عدنان، وبلال ذياب، وثائر حلاحلة، وهناء شلبي أن يساعدونا بقليل من العزيمة لإعادة فتح خيم التضامن في كافة المدن والمخيمات الفلسطينية ... وإعادة روح التظاهر في الشوارع من أجل أن نخبر من تجاهل القضية أن هناك جنوداً في أرض المعركة بحاجة لمن يسمع صوتهم ويسمعه للأخرين ... 

الخيار الأن للشعب قبل السلطة إما إعادة فتح خيم التضامن والتظاهر احتجاجاً على ما يحصل داخل السجون الإسرائيلية، أو الإنتظار إلى أن يستشهد أحدهم، ولا أدري بأي وجه سوف نستقبل شهيدنا الجديد ...



 ولنتذكر أننا جميعنا إذاً مسؤلون عن استمرار الظلم وتخلف المجتمع بتفاوت حجم المسؤولية من شخص لأخر، غير أن كل شخص مسئول على مدى استهانته بأهمية نشاطه اليومي في المجتمع، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إذعان وطاعة للحكام، فمن خلال صمتنا وخدمتنا للنظام- فاسداً كان أم صالحاً- عبر أعمالنا اليومية فإننا نشارك في دعمه وتثبيت أركانه. وبإدراك هذه الحقيقة يمكن للفرد أن يستخدم نشاطه اليومي ويوجهه وجهة إيجابية للتخلص من الفقر والتخلف والذين هما وجه العملة الأخر للظلم والاستبداد. http://stolen-kharbshat.blogspot.com/2012/08/blog-post_22.html

Saturday, August 25, 2012

سأخون وطني

بعد تفكير عميق وربما صبياني نوعاً ما، وبعد معارك ليست بالضارية ولا بالجادة وعلى طريقة محمد الماغوط قررت أن أخون وطني في زمان تتم فيه أفعال الخيانة علناً وليس سراً كما حدث في زمن الماغوط.
" الأوطان نوعان .. أوطان مزورة وأوطان حقيقية. الأوطان المزورة أوطان الطغاة، والأوطان الحقيقية أوطان الناس الأحرار.وأوطان الطغاة لا تمنح الناس سوى القهر والذل والفاقة. ومدنها وقراها لها صفات القبور والسجون، ولذا فإن الولاء لأوطان الطغاة خيانة للإنسان، بينما عصيانها والتمرد عليها إخلاص للإنسان وحقه في حياة آمنة يسودها الفرح وتخلو من الظلم والهوان، لا سيما أن الولادة في أي وطن هي أوهى جذر يربط الإنسان بوطنه، ولن يقوى ذلك الجذر وينمو ويكبر إلا بما يعطيه الوطن من حرية وعدل." من مقدمة كتاب سأخون وطني. زكريا تامر، لندن، 1987.

لا أدري أي وطن أخون وأي نفس تلك التي قد أضحي بها من أجل ذاك الوطن والذي أضحى لا يشبه شيئاً سوى الفردوس المفقود. . ربما تعريف الوطن في مخيلتي يختلف عن  تعريف أولئك القابعين في السجون وأولئك اللذين يقضون أيامهم بين خيم التضامن والاعتصام والمظاهرات والاحتجاجات عند معتقل عوفر، وأخيراً إما في معتقلات الاحتلال الصهيوني أو معتقلات الوجه الأخر للاحتلال والمتمثل في سجون مخابرات السلطة الفلسطينية.  وبوجود هذا  الاختلاف في تعريف الوطن نصل إلى الحد الفاصل وربما المتطرف الذي يجعل من لم يقض أيامه في خيم التضامن، أو على أبواب معتقل عوفر مزاوداً مجعجعاً " من الفعل جعجع "  ذو حديث لا يسمن ولا يغني من جوع.

في الإضراب الأخير الذي خاضه الأسرى الفلسطينيون في سجون الاحتلال الصهيوني تبين لنا الكثير من الوسائل التي يمكن استعمالها للاحتجاج على ما يتعرض له الأسرى والتضامن معهم، وتبين لنا أيضاً كيف يمكن امتصاص غضب الشارع بوسائل لا حصر لها. من أبرز ما ميَز حملة التضامن الشعبية خيم التضامن والاعتصام التي انتشرت في كافة أرجاء الفردوس المفقود والتي سرعان ما اختفت حين تم إعلان الاتفاق بين قيادة الإضراب وإدارة السجون الصهيونية بواسطة مصرية. في البداية اعتقدنا بأن الرحيل من الشارع مبكراً هو بمثابة النزول من الجبل قبل الأوان... ومع مرور الأيام وجدنا أن معظم النشطاء في خيم التضامن قد أصبحوا إما في سجون المخابرات الفلسطينية أو أنه تم تسليمهم إلى قوات الاحتلال الصهيوني وهو ما يفسر اختفاء خيم التضامن وكافة أشكال التضامن. أنا من  الأشخاص اللذين بدؤوا بالقول لماذا هذا النزول المبكر عن الجبل وأنا التي لم تمض سوى أسبوع في تلك الخيام، ولم تذهب يوماً إلى معتقل عوفر، ومن الأشخاص اللذين تساءلوا لماذا لا نعيد فتح خيم التضامن وقد تجاوز بعض الأسرى حاجز الثلاثة أشهر في إضرابهم عن الطعام. في النهاية خلص أحدهم إلى نتيجة مفادها أنني من " جماعة المزاودين " وأنه لا داعي لفتح خيم التضامن التي سوف تصبح مليئة برجال المخابرات الفلسطينيين وربما الصهيونيين.
إن الخوف المتأصل في قلوبنا من قوة جهاز المخابرات الفلسطيني وتعاونه الوثيق مع نظيره الصهيوني قد منعنا من العودة والمجازفة مرة أخرى في موضوع إعادة فتح خيم التضامن، وإن لم يكن الخوف هو الذي يمنعنا فربما هناك شيء أخر وأكثر خطورة لم أستطع إدراكه بعد فالحياة في الفردوس المفقود أصبحت معقدة وفهمها يحتاج لقدرات عقلية ونفسية خارقة.
وأخيراً، حتى نختم مقال المزاودة الجديد بقي طرح عدة أسئلة  ... هل لأن الأسرى القابعين الآن في السجون الصهيونية والمضربين عن الطعام يحسبون على حركة حماس لم تقم الدنيا أو تقعد.. وبالطبع قبل لوم حركة حماس أو ناشطي القضية الفلسطينية ألوم نفسي كوني أحد أطراف الجعجعة في البلد. ربما خوفنا في الضفة هو الذي منعنا من التضامن أو حتى التفكير في الموضوع، لكن ما الذي يمنع الناس في قطاع غزة من التفكير في الموضوع ولو سراً.  من الواضح والجلي بأن الحكومة في رام الله لو أردت أن تفتح خيم التضامن مع الأسرى الأربعة المضربين عن الطعام لفعلت، ولكن لكي تستمر حملات المناكفة مع نظريتها حماس فإنه لا يوجد أي بارقة أمل لفتح خيمة تضامن من أجل أسير محسوب على حركة حماس.
 أما السؤال الأخر فهو لو كان حسام خضر أو أحمد سعدات قد تجاوزا حاجز الثلاث أشهر في الإضراب عن الطعام هل سنبقى مختبئين تحت غطاء الخوف من المخابرات وحملات المطاردة والاعتقالات المستمرة بقيادة كل من أجهزة السلطة الفلسطينية ونظيرتها الصهيونية. قد يقول قائل إن معظم أبناء الجبهة الشعبية هم مطاردين أو معتقلين وهم أكثر الشباب نشاطاً وانتفاضاً من أجل الوطن، وبالطبع لا ننكر ما يتعرضون له من حملة شرسة لا تقل ضراوة عن حملات قوات الاحتلال الصهيوني ... ولكن هل يتذكر هذا القائل بأن التجارب علمتنا أنه دائماً بدل سعد يوجد عشرة أبناء كلهم فداء للوطن، أم أن هناك شيء أخر لا نعلمه نحن معشر المزاودين... لن ألوم أبناء فتح أيضاً واللذين أصبحوا هدفاً لأجهزة السلطة الفلسطينية فهم إما مطاردين أو معتقلين...  وعليه إلى أن نجد أجوبة شافية لتلك الأسئلة فإننا نخلص إلى نتيجة مفادها أن القمع القائم في الضفة الغربية ليس ضد أعضاء حركة حماس وحدها وإنما أيضاً ضد كل من أبناء الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي وأبناء حركة الفتح اللذين لم ولن يكونوا يوماً ضمن بوتقة سلطة أوسلو. وربما يفسر هذا الحال جزء مما يدور حولنا واستمرارية دخولنا في دوائر مفرغة تمنعنا من رؤية الصورة كاملة، وتمنعنا من إعادة تنظيم صفوفنا بطريقة تعطينا القدرة على إيجاد بديل قوي ووطني للسلطة الفلسطينية، والبدء بثورة مسلحة ضد الاحتلال الصهيوني وأعوانه.

وإلى أن يحين الفرج القريب من الله لنا عودة مع حفلة مزاودة جديدة.  

كتب جزء من هذا النص في الضفة الغربية والجزء الأخر في الضفة الشرقية لنهر الأردن.
25-24  آب، 2012 






Wednesday, August 22, 2012

مسؤوليتنا عن استمرار الظلم والتخلف


للمجتمع نظام يحكمه نابع من تفويضه لأفراد يقومون على خدمته وتنظيمه فإن المراقبة الدائمة لأداء هذا النظام من أهم وظائف المجتمع، وحين تكون إدارة النظام الحاكم للمجتمع سلبية ومدمرة; فإن استمرار الأفراد على نفس وتيرة أعمالهم اليومية يعني الاستسلام والمشاركة الفاعلة في بقاء النظام الفاسد.
فجميعنا إذاً مسؤلون عن استمرار الظلم وتخلف المجتمع بتفاوت حجم المسؤولية من شخص لأخر، غير أن كل شخص مسئول على مدى استهانته بأهمية نشاطه اليومي في المجتمع، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من إذعان وطاعة للحكام، فمن خلال صمتنا وخدمتنا للنظام- فاسداً كان أم صالحاً- عبر أعمالنا اليومية فإننا نشارك في دعمه وتثبيت أركانه. وبإدراك هذه الحقيقة يمكن للفرد أن يستخدم نشاطه اليومي ويوجهه وجهة إيجابية للتخلص من الفقر والتخلف والذين هما وجه العملة الأخر للظلم والاستبداد. 


Thursday, August 16, 2012

عندما يتحول اللاجئ الفلسطيني إلى طالب لجوء في دول أوروبا وأمريكا الجنوبية.


عندما يتحول اللاجئ الفلسطيني إلى طالب لجوء في دول أوروبا وأمريكا الجنوبية.

يحتم علينا الواجب الأخلاقي قبل الواجب الوطني أو الأكاديمي أن نقف قليلاً عند حدود معرفتنا النظرية التي ما فتئت تبعدنا عن الواقع يوماً بعد أخر. يوماً بعد يوم تزداد الأحداث التي تدعونا للوقوف قليلاً عند تعريفنا الخاص للآدمية.
لن أخوض كثيراً في تفاصيل قصة اللجوء الفلسطينية التي ساهم الجانب الأكاديمي الصهيوني في صياغة الجزء الأكبر منها وترويجها للرأي العام العالمي على الرغم من الجهود المبذولة على المستوى العام الفلسطيني لخلق رواية أخرى مغايرة للرواية الصهيونية.
أخر الأحداث التي تساهم رغماً عن أنوفنا في صياغة تعريفنا للآدمية هي قصة اللاجئين الفلسطينيين اللذين عبروا الحدود السورية إلى الأردن وذلك هرباً من الأحداث الدائرة في سوريا. عند الحديث عن اللاجئين الفلسطينيين  في الأردن فإننا نفترض كرماً حكومياً أردنياً في إكرام الضيف ولو لحين، لكننا مرة أخرى نصطدم في الواقع لنجد أن اللاجئين الفلسطينيين قد تم وضعهم في مجمع سايبر سيتي والذي كان يوماً ما سكناً للعمال الأسيويين، نجدهم يقبعون في ذاك المكان تحت حراسة قوات الداخلية الأردنية المشددة وذلك لمنعهم من الخروج من المجمع الذي يفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية. يذكر أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المحتجزين داخل مجمع (سايبر سيتي) في الرمثا شمال الأردن يقدر بنحو 200 لاجئا وقد أعلنوا أخيرا مقاطعتهم لجميع الهيئات والمنظمات الدولية، بما فيها 'الأنروا'، وطالبوا بإخراجهم من المجمع مع استعدادهم لتقديم الضمانات اللازمة للحكومة الأردنية .
 
ويشكو اللاجئون الفلسطينيون القادميين من سوريا إلى الأردن، من ظروف يصفونها بأنها 'غير إنسانية' داخل سكن (سايبر ستي) مما دفع بعدد من العائلات إلى الهروب، وأصبحوا مطلوبين لقوات الأمن الأردنية.والجدير بالذكر أن مجمع (سايبر ستي) هو بناية سكنية واحدة تتألف من 6 طبقات تحتوي على 140 غرفة.
من خلال متابعة ما يحدث في مجمع سايبر سيتي تعود بنا الذاكرة إلى مخيم الرويشد الواقع على بعد 16 كم من مدينة الرويشد، والذي افتتح في الأردن إبان الحرب الأمريكية على العراق وذلك لإيواء اللاجئين الفلسطينيين (440 لاجئ)  القادمين من العراق إلى الأردن. تكمن المأساة في مخيم الرويشد أن اللاجئين الفلسطينيين القادمين من العراق لا يقعون داخل بوتقة عمل الأنروا في الشرق الأوسط مما يلقي بكامل المسؤولية على المفوضية العامة لشؤون اللاجئين والتي قررت بعد 4 سنوات من المعاناة ( الحياة على الحدود في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الأدمية، والحرمان من التعليم والخدمات الصحية على سبيل المثال لا الحصر) أن تساهم في حل قضية اللاجئين العالقين في الأردن، وذلك بالتعامل معهم على أنهم طالبي لجوء وليس لاجئين. بعد أربع سنوات من المعاناة وبعد وصول جثتيين متفحمتين لأم وابنتها لأحد مستشفيات عمان، تم الاتفاق بين المفوضية وبعض دول أمريكا الجنوبية وكندا  على استضافة أولئك اللاجئين باعتبارهم طالبي لجوء مما أفقدهم حق العودة إلى الأبد، فكما وهو معروف فإن طالبي اللجوء محبرين على التوقيع على مستندات تفيد بأن يتنازلوا عن جنسيتهم الأصلية إن كانوا يتمتعون أصلاً بالجنسية الدولة الأصلية.
ما حدث في مخيم الرويشد وما يحدث الآن في مجمع سايبر سيتي يدفعنا إلى التساؤل هل نحن في خضم عيش تفاصيل رحلة مجموعة جديدة من اللاجئين الفلسطينيين، والذين سوف تدفعهم الظروف إلى أن يصبحوا طالبي لجوء ،وبالتالي يفقدون حقهم بالعودة إلى وطنهم وإن كانوا محملين على الأكتاف.
قبل البدء بإلقاء اللوم على الأنروا والمفوضية العامة للاجئين والحكومة الأردنية علينا أولاً لوم وتوجه النقد اللاذع إلى دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية على اعتبارها إحدى مؤسسات الممثل الشرعي والوحيد للعشب الفلسطيني " حسب تعبيرهم ". لماذا تترك دائرة شؤون اللاجئين أمر إدارة هكذا نوع من الأزمات للمفوضية والأنروا وحكومات الدول المستضيفة وتعمل على مبدأ قد أسمعت إذ ناديت حياً .. الأجدر أن يقوم المسؤولون في الدائرة بدق ناقوس الخطر بدلاً من ترك شرف دق ناقوس الخطر للانروا والمفوضية. حتى اللحظة لم نسمع أو نقرأ أي تقرير أو بيان رسمي يشجب ويدين ما يتعرض له اللاجئون في سايبر سيتي.
 في واقع الحال اللاجئون هناك ليسوا بحاجة إلى بيانات دائرة شؤون اللاجئين والتي لن تكون مختلفة عن بيانات م.ت.ف المتهرئة منذ زمن بعيد، لماذا حتى اللحظة لا توجد خطة طوارئ، أو إستراتيجية وطنية،  أو حتى غرفة عمليات لمتابعة ما يحدث هناك في ظل موقف الحكومة الأردنية الغريب؟ من هنا يبقى السؤال الأخير... أين الواجب الأخلاقي قبل الواجب الوطني الذي من المفترض أن تتبناه دائرة شؤون اللاجئين كونها نصبت نفسها مدعيا عاماً لحقوق هؤلاء اللاجئين؟ في ظل هذا التقصير والإهمال الواضح وربما المتعمد من الأفضل أن تعلن دائرة شؤون اللاجئين عن حل نفسها وترك الأمر للاجئين أنفسهم ربما وجدوا الطريق إلى الوطن دون الحاجة لتلك المؤسسة ونظرياتها من مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.  

من خلال تصفح الموقع الإلكتروني لدائرة شؤون اللاجئيين تستطيعون إدراك مدى الإهتمام بقضية اللاجئيين المحتجزين في مجمع سايبر سيتي : 

للمزيد حول مجمع سايبر سيتي : 





Thursday, July 19, 2012

امل دنقل - لا تصالح





(1 )
لا تصالحْ!
..ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
ذكريات الطفولة بين أخيك وبينك،
حسُّكما - فجأةً - بالرجولةِ،
هذا الحياء الذي يكبت الشوق.. حين تعانقُهُ،
الصمتُ - مبتسمين - لتأنيب أمكما..
وكأنكما
ما تزالان طفلين!
تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أنَّ سيفانِ سيفَكَ..
صوتانِ صوتَكَ
أنك إن متَّ:
للبيت ربٌّ
وللطفل أبْ
هل يصير دمي -بين عينيك- ماءً؟
أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء..
تلبس -فوق دمائي- ثيابًا مطرَّزَةً بالقصب؟
إنها الحربُ!
قد تثقل القلبَ..
لكن خلفك عار العرب
لا تصالحْ..
ولا تتوخَّ الهرب!
(2)
لا تصالح على الدم.. حتى بدم!
لا تصالح! ولو قيل رأس برأسٍ
أكلُّ الرؤوس سواءٌ؟
أقلب الغريب كقلب أخيك؟!
أعيناه عينا أخيك؟!
وهل تتساوى يدٌ.. سيفها كان لك
بيدٍ سيفها أثْكَلك؟
سيقولون:
جئناك كي تحقن الدم..
جئناك. كن -يا أمير- الحكم
سيقولون:
ها نحن أبناء عم.
قل لهم: إنهم لم يراعوا العمومة فيمن هلك
واغرس السيفَ في جبهة الصحراء
إلى أن يجيب العدم
إنني كنت لك
فارسًا،
وأخًا،
وأبًا،
ومَلِك!
(3)
لا تصالح ..
ولو حرمتك الرقاد
صرخاتُ الندامة
وتذكَّر..
(إذا لان قلبك للنسوة اللابسات السواد ولأطفالهن الذين تخاصمهم الابتسامة)
أن بنتَ أخيك "اليمامة"
زهرةٌ تتسربل -في سنوات الصبا-
بثياب الحداد
كنتُ، إن عدتُ:
تعدو على دَرَجِ القصر،
تمسك ساقيَّ عند نزولي..
فأرفعها -وهي ضاحكةٌ-
فوق ظهر الجواد
ها هي الآن.. صامتةٌ
حرمتها يدُ الغدر:
من كلمات أبيها،
ارتداءِ الثياب الجديدةِ
من أن يكون لها -ذات يوم- أخٌ!
من أبٍ يتبسَّم في عرسها..
وتعود إليه إذا الزوجُ أغضبها..
وإذا زارها.. يتسابق أحفادُه نحو أحضانه،
لينالوا الهدايا..
ويلهوا بلحيته (وهو مستسلمٌ)
ويشدُّوا العمامة..
لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة
لترى العشَّ محترقًا.. فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
(4)
لا تصالح
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيكَ..؟
وكيف تصير المليكَ..
على أوجهِ البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوك..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهمًا أتاني من الخلف..
سوف يجيئك من ألف خلف
فالدم -الآن- صار وسامًا وشارة
لا تصالح،
ولو توَّجوك بتاج الإمارة
إن عرشَك: سيفٌ
وسيفك: زيفٌ
إذا لم تزنْ -بذؤابته- لحظاتِ الشرف
واستطبت- الترف
(5)
لا تصالح
ولو قال من مال عند الصدامْ
".. ما بنا طاقة لامتشاق الحسام.."
عندما يملأ الحق قلبك:
تندلع النار إن تتنفَّسْ
ولسانُ الخيانة يخرس
لا تصالح
ولو قيل ما قيل من كلمات السلام
كيف تستنشق الرئتان النسيم المدنَّس؟
كيف تنظر في عيني امرأة..
أنت تعرف أنك لا تستطيع حمايتها؟
كيف تصبح فارسها في الغرام؟
كيف ترجو غدًا.. لوليد ينام
-كيف تحلم أو تتغنى بمستقبلٍ لغلام
وهو يكبر -بين يديك- بقلب مُنكَّس؟
لا تصالح
ولا تقتسم مع من قتلوك الطعام
وارْوِ قلبك بالدم..
واروِ التراب المقدَّس..
واروِ أسلافَكَ الراقدين..
إلى أن تردَّ عليك العظام!
(6)
لا تصالح
ولو ناشدتك القبيلة
باسم حزن "الجليلة"
أن تسوق الدهاءَ
وتُبدي -لمن قصدوك- القبول
سيقولون:
ها أنت تطلب ثأرًا يطول
فخذ -الآن- ما تستطيع:
قليلاً من الحق..
في هذه السنوات القليلة
إنه ليس ثأرك وحدك،
لكنه ثأر جيلٍ فجيل
وغدًا..
سوف يولد من يلبس الدرع كاملةً،
يوقد النار شاملةً،
يطلب الثأرَ،
يستولد الحقَّ،
من أَضْلُع المستحيل
لا تصالح
ولو قيل إن التصالح حيلة
إنه الثأرُ
تبهتُ شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباهِ الذليلة!
(7)
لا تصالحْ، ولو حذَّرتْك النجوم
ورمى لك كهَّانُها بالنبأ..
كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: "انتبه"!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!
فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضلعين..
واهتزَّ قلبي -كفقاعة- وانفثأ!
وتحاملتُ، حتى احتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: ابن عمي الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم،
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ
(8)
لا تصالحُ..
إلى أن يعود الوجود لدورته الدائرة:
النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها
والرمال.. لذراتها
والقتيل لطفلته الناظرة
كل شيء تحطم في لحظة عابرة:
الصبا - بهجةُ الأهل - صوتُ الحصان - التعرفُ بالضيف - همهمةُ القلب حين يرى برعماً في الحديقة يذوي - الصلاةُ لكي ينزل المطر الموسميُّ - مراوغة القلب حين يرى طائر الموتِ
وهو يرفرف فوق المبارزة الكاسرة
كلُّ شيءٍ تحطَّم في نزوةٍ فاجرة
والذي اغتالني: ليس ربًا..
ليقتلني بمشيئته
ليس أنبل مني.. ليقتلني بسكينته
ليس أمهر مني.. ليقتلني باستدارتِهِ الماكرة
لا تصالحْ
فما الصلح إلا معاهدةٌ بين ندَّينْ..
(في شرف القلب)
لا تُنتقَصْ
والذي اغتالني مَحضُ لصْ
سرق الأرض من بين عينيَّ
والصمت يطلقُ ضحكته الساخرة!
(9)
لا تصالح
ولو وقفت ضد سيفك كل الشيوخ
والرجال التي ملأتها الشروخ
هؤلاء الذين تدلت عمائمهم فوق أعينهم
وسيوفهم العربية قد نسيت سنوات الشموخ
لا تصالح
فليس سوى أن تريد
أنت فارسُ هذا الزمان الوحيد
وسواك.. المسوخ!
(10)
لا تصالحْ
لا تصالحْ